انضم الى صفحة التجانية أونلاين على الفيس بوك


« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: قصائد حبيب قلبي وقلوب العشاق الصوفية سيدي ابو مدين الغوث ( الكاتب : ابوعمارياسر )       :: المغرب يحتضن "الديكتاتور كومباوري" ( الكاتب : المصدر )       :: الجيش المصري يبدأ أكبر حملة تمشيط في "سيناء" ( الكاتب : المصدر )       :: أوباما يُسَوِّي أوضاع 5 ملايين مهاجر مؤقتا ( الكاتب : المصدر )       :: 4 يمنيين وتونسي ينقلون من غوانتانامو إلى جورجيا وسلوفاكيا ( الكاتب : المصدر )       :: الجيش الليبي يستعد للزحف نحو طرابلس لـ"تحريرها" ( الكاتب : المصدر )       :: صلاحيات رئيس تونس القادم.. حل البرلمان وإعلان الحرب ( الكاتب : المصدر )       :: قيادات جنوبية ترفض إقالة هادي من "حزب صالح" ( الكاتب : المصدر )       :: سفير واشنطن السابق في دمشق يؤكد: نحن نخدم بشار الأسد بقصفنا لـ"داعش" ( الكاتب : المصدر )       :: الاحتلال يتهم "حماس" بمحاولة اغتيال ليبرمان ( الكاتب : المصدر )      


العودة   منتديات التجانية أونلاين > ::: التصوف الاسلامي والطرق الصوفية ::: > نافذة حول التصوف الاسلامي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-26-2011   #1
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي دراسات في التصوف

دراسات في التصوف ، كلمات لابد منها:


سم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه أما بعد،
يخال للمرء الواقف على شاطئ الولاية الباحث في أسرارها ، أنها ثمرة المجاهدة و المنازلة والتحقق بمقامات الصالحين.
لكن سرعان ما يجد أمام حقيقة كونية أن اصحاب هذا الشأن محصور بالعدد، مخصوص بالعناية و التوفيق ، في السابقة أزلا ، و في الحقيقة أن الله قسم بين العباد رزقهم الحسي فلا يمنع أحد أن يستوفي رزقه الذي به قوام حياته ، لكن الرزق المعنوي الروحي فهو أمر خاص ووجود استثنائي كما ثبث عند أهل الله : (أولياء الله عرائس الله في ملكه ، و لايرى العرائس المجرمون). تولد عن هذا الفهم أن الولي الحق من كان خاملا زاهدا مغمورا يستعصى معرفته ، ومن ثم يحار المرء أن لقيه أن يفهمه لغامض قوله.؟
فهل الغموض سمة القوم ؟.
وبالتالي هل كانت الفهوم النبوية التي حملوها في أسرارهم علوما غامضة .؟
أم الغموض يكتنفنا في التلقي لا في الري و الشرب؟.وفي كيفية التلقي و في وسائل الخطاب؟.
يرى بعض الباحثون أن التصوف عالم فسيح من الخيالات و الأوهام ، لا تفهم بالعقل لمجازها و كناياتها و تلونها الحربائي.
فكلمة التصوف مثلا تحيل عقل القارئ الى عدة مفاهيم :
1.الخرقة و القبلة في يد الشيخ المقدسة والخنوع الى أرادة الشيخ المطلقة.( ان تكون بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغسال). والقول المشهور من لم يكن له خذ يداس فلن تكون له يد تباس).
فهل غاية كل ولي أن تكون له يد تباس؟.
2.الكشف و المشاهدة و خرق العادة و قد تكلمنا بتفصيل حول الأستدراج الشيطاني و الحجب الظلمانية لكن تركنا الفتح النوراني الى موضوع آخر.
وهم هو بل حقيقة أن الكشف لا يعد الا من طوارئ الروح في معرفتها لربها ، وشهود حق للكون و تفاصيله.
لكن يظل في نفس الوقت القاطع الرئيسي لجموع كثيرة للناس في معرفتها لربها. والعائق الأكبر في تلقي العلم اللدني من رب العالمين.
الكشف حجاب ، لكنه مرقاة أن كان في أطاره النسبي لا يزيد المريد حزنا ان أنقطع و لا يملأ القلب فرحا أن كان و اتصل وامتد.
3.مسالة التصرف الكوني المنسوب الى بعض أهل الله ، تضع الباحث في مازق : الولي أن لم يكن متصرفا في الخلق ظاهر الكرامات مجذوب ناقص الولاية.
والمجذوب القائل للحكم ، الجوال الآكل من دراهم القدرة ، ولي.
فتجد ميزان الجذب و الولاية مختل.
الأحرى أن التقيت بمجنون مسلوب العقل تنساب كلمات الحكمة من ملأ فمه : ولي مجذوب أم ماذا ؟.
4.ما تجده في كتب التصوف من وصف لثمراث المجاهدة من كشف و تصرف ، والحكايات المغرقة في الخيال عن كرامات الشيخ في المأكل و المشرب ، وأحيانا في مواجهة الظالمين من أهل السلطة ، تجعل المرء أمام لازمة ملازمة للعقل و كأنك في حساب مجمل : التصرف = الولاية، الكرامات = الولاية ، فان غاب أحد أطراف اللازمة سقطت الولاية من الأعتبار الشخصي ، واصبحت مجرد أدعاء.
5.ما يراه الناس في المواسم الصوفية من الرقص و السماع على أيقاع النشيد و المعازف أحيانا و كأن التصوف مواسم روحية وموسيقى عالمية تنشئ تلك الوحدة الثراثية العالمية المنشدة لأسس التسامح و الأنسان و الحرية و السمو الروحي ، فهل تستوى المعرفة المحمدية وحقيقتها الكاملة مع ترهات الهندوس و البوذية والزرادشتية؟ ، حال ما يقع في فاس في مهرجان الموسيقى الروحية او سمها أن شئت موسم التسامح و الفسق و اللهو بالأديان على موسيقي الجاز والرقص الجبلي.
نسأل الله العافية آمين.
تضع الناس في حيرة ، فالتصوف لا يعدو الا ابياتا في الحب الألهي ، و رقصا عند تزاحم الأنوار و تدفقها في قلب الذاكر ، وكلمات مولاي عبد الرحمان المجذوب المنسجمة مع عقل التبسيطي لدى عامة الناس.
أو المواسم في خضم العطل الصيفية حيث تمتزج الطاعة مع المعصية و الفسق مع النور و كأنك في نسيج مجتمعي منقطع النظير خذ لنفسك واترك ماتريد فلدينا في المواسم قصب العنب و المزيد؟.
سمه ان شئت تصوف مدني حداثي متنور يجد فيه كل امرئ بغيته....
...موسم مو لاي عبد السلام ابن مشيش مثلا وغيره.
6.يرى بعض الدارسين أن التصوف حركة شاذة في زمن غلبت فيه مباهج الدنيا .ومن ثم فهو حركة طارئة ودخيلة من حيث المنبع و الأصل .وعليه فأن هذه الحركة تظل حبيسة ظرفها التاريخي و الأجتماعي .فأن سقطت هذه الأعتبارات سقط بالتالي بالفعل.
ولذلك نجد هؤلاء الدارسين يفتخرون بهذا العلم العميق و يقارنونه بما عند كريشنا وداي لاما وبوذا و أصحاب الريكي و المعالجون بالطاقة الروحية، أو حكماء اليونان وما عندهم من الأسئلة الطفولية الوجودية الفارغة من المحتوى المغرقة في الأشكاليات المستعصية عن الحل.
فلا يترددون من التغني في السرب العالمي الماجن عن السر الوجودي ، وقيمة الأنسان ، وقيم الروح ، والنسيج المتنور ، في مؤتمرات يحضرها أصحاب النوايا الحسنة من اليهود والنصارى ، والمغررين بهم من عندنا تحت لا فتة عريضة : الرياضات الروحية و اثرها في الأستقرار النفسي عند الأنسان ، مؤتمرات تعج بالمشروبات الروحية ، و الرياحين التي خلقنا لنا كما يقول الشاعر ، فتخرج من المؤتمر و أنت تعج بالخواطر النسائية الخمرية الذوقية ، فاينما توجهت تذكرت أن لك رب واحد للجميع.
نسال الله أن يرحمنا آمين
7.اصبح التصوف في صورته المشوهة مجرد قعود و دروشة وثياب رثة و كدية في الشارع وحكم ومواعظ تترك لله ما لله وما في يد قيصر لقيصر.
وهذا أمر مفتعل يراد به التزوير في الحقائق التاريخية .
ذلك أن التصوف و اسلاس القياد لأولياء الله على نوعين:
أ.اسلاس في الأمر الخاص فقط وهذا أمر يخص السالك وحده يترك الدنيا أما طواعية و أختيار و أستعاده للرحيل في معارج القربى الى أن ياخذ الله روحه.
وهذا خلاص فردي محض مرغوب فيه، وهذا تسعى فيه حتى الأجهزة الحكومية في الوطن العربي حتى تسد باب الممانعة و القومة ومراقبة الدولة.
فيصير التصوف مجرد قبة أسطورية ، وشيخ متصرف في عالم الأموات ينظر الينا من نافذة القبور ينظر ما فعل أصحاب الدثور من النذور.!
وتجد برامج فلكلورية التسويق كمقامات صوفية ، موروثاث شعبية ، رحلة الى مزار سيدي أبو مدين المنور.....وهلم جرا. وكأنك في مزاد علني للقبورية لا يصير فيه التصوف الا قبر مقدس وأحفاد ملتفون.
وهذا هو الوهم بعينه ن وتلبيس أبليس الدولة المصونة.
ب.ما يخاف من التصوف هو البركة المتجددة في تربية أجيال مجاهدة : نموذج صلاح الدين الأيوبي ، حسن البنا ، مولاي عبد القادر الجزائري ، عبد الله ياسين ، مرآة ابي المحاسن ، الأمام السرهندي وغيرهم كثير.
وهذا هو التصوف الذي يسلس فيه القياد لرجل جامع لفضيلتين : التربية و الجهاد وهو ما توارثه بعض أهل الله المجاهدين.
وهذا أمر وارد في الدراسات المشبوهة التي حولت بعض القادة الذين تربوا على يد أهل الله ، مجرد قائمين على السلطان أمثال قومات أهل البيت المميزة ، أو بعض الحركات الجهادية الصوفية أمثال المرابطين.
تجعل من ذكر الجهاد خامل الذكر في مناقب و تراجم أهل الله.
وخلاصة القول ، يجب وضع التصوف في أطاره النسبي كعلم ، لكن بعين ناقدة فاحصة تترك النقول المدلسة فيه ، وتبحث عن منهاج النبوة الذي ظل ساريا عبر الأجيال عبر التلقين الى يوم تجتمع فيه الفضائل في شخص الختم المكتوم.
وهو موضوعنا اللاحق.

 


التعديل الأخير تم بواسطة Admin ; 09-12-2011 الساعة 06:48 PM .

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس

اخر 5 مواضيع التي كتبها عمرالحسني
المواضيع المنتدى اخر مشاركة عدد الردود عدد المشاهدات تاريخ اخر مشاركة
في الفص المحمدي ، دورات الفلك و الملك وميزان... نافذة حول التصوف الاسلامي عمرالحسني 0 561 02-26-2011 02:16 PM
دراسات في التصوف نافذة حول التصوف الاسلامي فراج يعقوب 11 2520 02-26-2011 01:47 AM
كيف نقرأ كتب التصوف؟ نافذة حول التصوف الاسلامي فطحيزة 2 629 02-26-2011 01:45 AM
في شرح حديث نبوي شريف نافذة حول التصوف الاسلامي فطحيزة 2 781 02-26-2011 01:43 AM
أنتم أحباب القلب منتدى الترحيب والمناسبات فطحيزة 1 548 02-26-2011 01:40 AM

قديم 02-26-2011   #2
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 2.دراسات في التصوف:مقدمات ونتائج

دراسات في التصوف


يقف الباحث في حاضر الأمة و مستقبلها متحيرا لما يجد من الثنائية ، ومن المتناقضات التي تطفح على السطح، أمة منخورة مستضعفة غامضة الحاضر نيرة المستقبل المثمثل في الموعود النبوي الصادق الذي بشر به الحبيب صلى الله عليه وسلم.
يجد هذا التنوع في التربية ، والمدارس العلمية ، وفي أعلام الهدى المجدددين في كل الزمان ، في كل الفنون والصناعات و الأفكار، فيظل متفكرا متسائلا : متى تجمع هذه المكاسب الثمينة في مشروع نبوي يتزعمه رجل نوراني بفقه جامع يجمع الأمة حوله ، وبجهود الصادقين معه ؟.
المعية و الكينونة مع رجل من هذا النوع رحمة و نعمة ؟.
نجد البشير الحبيب صلى الله عليه وسلم يبشر بغد أغر : نزول عيسى عليه السلام ، ظهور المهدي عليه السلام ، الملاحم ، فكيف لا يتطلع المؤمن لمثل هذه البشارات بعمل اصيل مؤثل على المنهاج و السنة و الشرعة و القرآن.
نبحث في التاريخ ، عن هؤلاء العارفين بالله الذين أثروا عالم المسلمين بفيضهم و خيرهم ، يقول مولانا عبد السلام ياسين رضي الله عنه :
*.........انحاز طائفة من العلماء والأئمة المربين إلى صفوف الأمة يرومون إصلاح الناس على هامش الحياة العامة لَمَّا يئسوا من وجود أنصار على الحق قادرين على إنجاح القومة. هكذا فعل أئمة آل البيت بعد خِذلان الناس للأئمة الحسين، وزيد، والنفس الزكية، ويحيى.

من هؤلاء المربين من عُرفوا باسم طارئ على القرون الأولى. سُمُّوا صوفية، وعرفوا بسُمُوِّ المَطْلَب، وعلُوِّ الكَعب في العبادة، والزهد، والورع. كانوا أقربَ العلماء صلة بالعامة، وأشدَّهم تأثيرا في أخلاق الأمة، وأكثَرهم حِفاظا على روح السنة.

كان الفقيه يفتي في النوازل، وكان المحدث منكبا على العلم يخدم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلا الوظيفتين حيوي لحياة الأمة.

لكنَّ المشايخ العارفين بالله اختصوا بتنوير القلوب، وتقريب العباد إلى خالقهم، بحملهم على الاستقامة، وتسليكهم بمجاهدة النفس،ودوام الذكر،ومراقبة الحق عز وجل.ولم يُقَصِّروا في الجملة في نشر العلم وبث الفضيلة في الأمة، إذ تتعدى تربيتهم الخاصة من تلامذتهم إلى العامة. وكانوا إلى جانب هذا يُؤْوُونَ البائسين، ويَفْصِلُون الخصومات، ويشفعون عند الحكام للمظلومين.

وعلى مر القرون تطور ما يسمى بالتصوف فدخل تحت المرقعة التي كانت شعارا للزهد مرتزقةٌ باسم الطريق. وتبدأ الزاوية أو الخانقاه مدرسة علم وتربية في حياة الرجال المؤسسين، فلا تلبث أحيانا أن يدخلها بعدهم الانحراف.

ووقعت فتنة الخلاف المزمن بين أهل الحديث الذين حافظوا على الشريعة من بدع الضالين وبين المنتسبين إلى الخرقة، أعني الصوفية. المحامون عن الشريعة من خارج القوم يحكمون بظاهر ما ينطق به ويفعله لابسو المرقعات، وحاملو المسابح، ورواد حلقات السماع، وفيه الهُجْرُ والبِدعة. فيعممون الحكم ويسَوُّونَ في اللعنة الأصيلَ الزكيَّ، والدخيلَ الغبيَّ.

لكنَّ العلماء الراسخين يعلمون أن الطريق، والسلوك، والوصول، ومعرفة الله، ومقام الإحسان، والفتح، والمشاهدة، كلَّها حق. هؤلاء تتلمذوا للمشايخ المربين، ما منعهم ذلك من محاربة البِدع في صفوف الأدعياء.

لا يكادُ يُحْصَى عددُ العلماء الذين درسوا الحديث والأصول والفقه حتى تبحروا، ثم سمت همتهم لمعرفة الله عز وجل فبحثوا عن الطريق، فما وجدوا إلا هؤلاء المشايخ أولياءَ الله مَن يدلهم على المنهاج النبوي في التزكية والتوحيد. نخص بالذكر منهم بعض أهل الحديث ممن بدأوا بمحاربة كل من سمته الأوضاع صوفيا، ثم ميزوا آخر الأمر بين ثياب التقوى وأثواب الزور.

منهم الحافظ ابن كثير -وهو محدث آخر غير صاحب التفسير المشهور بمذهبه التيمي. في آخر عمره أخذ ابن كثير عن نجم الدين الإصفهاني الشاذلي كما ذكر ذلك الصفدي في كتاب "نكث الهميان". ومنهم من المتأخرين الإمام الشوكاني حاملُ لواء السنة المجتهد البَحرُ.في آخر حياته تتلمذ هو نفسه لشيخ نقشبندي كما ذكر ذلك في كتابه "البدر الطالع".

إن حديثنا عن مقام الإحسان وعن الصوفية وما هنالك من خلاف لا يتسع له هذا الكتاب. لكنَّ لُبَّ الإيمان كما عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو هذه "الحقيقة الصوفية" كما كان يسميها مربي هذه الأجيال الشيخ حسن البنا رحمه الله.

من الناس من لا تتسع حويصلته ليفهم أنَّ السنة النبوية هي أقوال الرّسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وأحواله، ينقصنا من السنة بقدر ما ينقصنا من العلم وهو مجال الأقوال النبوية، ومن العبادة والمعاملة والجهاد وهي أفعاله، ومن إثبات أعراف المجتمع واجتهاد المسلمين الذي لا يصدم الشريعة وهو مجال التقريرات. وأهم من كل هذا، إذ هو ثمرة العلم والعمل، الأحوال الشريفة. ومجال الأحوال الأخلاق الظاهرة، والمشاعر القلبية الباطنة، وثمرة كل ذلك هو الكمال الروحي.

يتصور بعض الناس أن دولة الإسلام يمكن أن تقوم وتكون إسلامية حقا بمجرد انتشار الفكر الإسلامي، و"الالتزام" بالصلاة، والأمر والنهي، ثم الجهاد. ما نتحدث عن الرحمة والسكينة ومعاني القلب وعن الكمال الروحي كما عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا لنؤكد أن تلك الأحوالَ الشريفةَ هي اللب وهي العماد.

فبدون تربية تغرس شجرة الإيمان، وتسقيها حتى يزدهر عليها ريحان الإحسان، ثم يثمر، لا تكون الجماعة الإسلامية مؤهلة لجهاد ولا لبناء.

لا حاجة بالمسلمين إلى القتال حول المصطلحات، ولا لتبديد الجهود في نبش الماضي للدفاع عن زيد وعمرو من أمةٍ خلت، لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت، ولا يسألنا الله عن عملها. لكن إن ضاع من المسلمين مفتاحُ التربية الإحسانية،وجف من القلوب الشوقُ إلى الله عز وجل، فيا حسرة على العباد !

ألا وإن الله عزت قدرته، وجلت منته، قيض لهذه الأمة رجالاً كُمَّلا، يا من يتنسم معنى للكمال ! كانوا ولا يزالون وسيبقون إن شاء الله ورثة الأنبياء وخلفاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته. جامعين بين الأقوال والأفعال والأحوال.*
من كتاب رجال القومة و الأصلاح.

لاينفع البحث الأكاديمي في مثل هذا الموضوع ، وليس عبثا أن تجد البحوث والدراسات تبحث عن اصول حركة التصوف ، فهي عند البعض حركة شاذة في تاريخ المسلمين مشرب طارئ لأسباب أجتماعية و أقتصادية و سيايسة معينة ، أو هروب فردي لجماعات من الناس أتخذت من التحذير النبوي الصادق عن الفتنة ، ذريعة بأن تكون كأحلاس البيوت لا تشارك في الشأن العام للمسلمين ، متعففة مستكنفة عن دخان الفتنة و نيرانها .
ومن الباحثين من يعتبره نتيجة أخلاط من الأفكار الأفلاطونية و اليونانية و الغنوصية والأشراقية و المانوية ، فيسعى جاهدا في تأصيل هذا العلم كعلم دخيل لا أصل له ، فهو مستحدث حادث طارئ كالطفيليات الجرثومية تستحق الأستئصال. فكيف يضع القارئ نفسه أمام هذه البحوث و بأزائها ومن أعالي التاريخ لينظر أليها دون أن يربط هذا التنوع الخلاق بمنبع الأختلاف و شره ، منذ أن أنفرط عقد الجماعة الأولى عقد الخلافة الراشدة.
يسعى جدلا البعض في جعل التربية الأولى التى ربت الرعيل الأول أنها تربية لحظية بالزمان و المكان و النشأة و البيئة ، ولن تتجدد هذه التربية و لن تعود ، فأين نضع ميزان الوراثة النبوية ، التي تثمثل في هؤلاء المجددين الذين بلغوا نوعا من الكمال ؟.
أم هي مجرد تربية ووراثة فردية لا تنفع الأمة ، مجرد رقي فردي و سمو روحي لفرد من الأفراد وهو محل نظر الله في خلقه و أرضه في كل وقت وحين؟.
أم هو تجديد متنوع في مناحي الدين ، أنتظارا لموعود الله الصادق في الرجل الفرد القطب الختم المكتوم التي تجتمع عليه الأمة في آخر الزمان.؟.
أم نحجر على فضل الله ، والمثل القائل بأرتفاع مائدة الولي بموته ، وتبقى بركته الميمونة في الأتباع و أتباع الأتباع الى يوم الدين ؟.فأن نسبت الختمية و الكتمية لولي في زمن من الزمان ، تبقى و لايته الختمية مطلقة لا تتجدد و لا تنتهي.فكيف يسعنا أن نعلم ما في غيب الله من المقامات و الدرجات و القربات وهو وحده من يعلم ذلك ؟. أو تجد من يصف الولي بيمين الله في أرضه و ينسبها ألى شيخه فان سمعها في غيره أنكرها ! وكأن الشيخ لا نظير له في الشكل و الصورة و المعنى ؟ فأن أنتقلت ألى غيره نسب ما يقوله الآخرون بحديث النفس وأوهام و خيالات المغفلين ؟.
ومن الباحثين من لا يسعهم في هذا العلم ، الا باب البحث عن موضة العصر و هي خرق العادة وعلم الكشف و المكاشفة و الفراسة و النورانية و مسالة التصرف و الأستدراج الشيطاني ، وكأن التصوف لا يساوي ألا هذه الأمور فأن لم توجد في ولي من الأولياء او ممن يدعون الروحانية ، كان أنتسابه محط الشك و الريبة.؟.
ومن الباحثين لا يرى في التصوف الا تلك الحركة المبالغة في الدروشة و الكدية و التمسكن والرقع و العصى و سجادة الشيخ الميمونة ، فأن كان الولي قائما بأمر الله في نفسه و خلقه مجاهدا في الله ، نسبت اليه أمور الحمقى من أصطلاحات جغرافية الكلام : السياسوية ، والنهضوية وووو.....
ومن الباحثين من يعتبر التصوف ذالك المبحث الفرع في الألهيات ، و الماورائيات ، والفلسفات المنسوبة الى الحلول و الأتحاد و الوحدة ، فلا يرون في معارف الولي ألا تلك الكلمات المغرقة في الغموض ، والمجازات و الكنايات ، وان وجدوا غير ذلك مروا على ثراث وتجربة الولي مرور الكرام ، وكأنه لئيم من اللئام ، وكان علوم القوم مجرد علوم غامضة ممتنعة عن الفهم و الأدراك و من ثم صعبة المراس و السلوك.
امام ما ذكرنا من العوائق أن صح التعبير ، في البحث و الدراسة ، يوجد عائق وجداني ، فعلوم القوم لا تدرك و لاتفهم ألا أن كان هناك تسليم مسبق ، وقابلية للذوق ، واستعداتد للتلقي ، ويقين في أن في طياتها من العلوم و دقائق القول هو في الأصل خطاب نبوي متجدد عبر الزمان باطنا يظهر ظاهرا في خطاب الولي حاضرا ، وهو أمر لا يستسيغه العقل لبعد الشقة بينه و بين بركة المدد و الفيض بالصحبة عبر الأجيال. ومن جهة أخرى لعجز المدركات العقلية على استقبال مثل هذه المعارف التي يعتبرها الكثير من الناس مجرد وهم أو التوهم.
وفي نفس الوقت يوجد عائق ذاتي عند كل باحث ، وهي لازمة ضرورية لمن أراد فهم كتب الوقت : أن تصدق كل ما تقرأ في كتب القوم ممكن ، ومع ذلك لا يمكنك أن تكذب فيها حتى لا تحرم من بركة القوم : الجذبة ما يسميه بعض العلماء.لا بد لك من عين ناقدة تنظر بأدب لكنها لا تتجاوز نظرها لتستهزئ و تكذب و تولول ، وهذا ما يقع لكثير من الباحثين.يعتبر حديث الولي الذي رواه سيدنا ابي هريرة من اشرف الأحاديث التي رويت في حق الأولياء ، وقد أوردنا الحديث ، قبل ان ندخل في عائق المعرفة التي تعتري الأنسان في جهله بالله ، الا لنؤكد على أمر مهم : أن أدوات الأجتباء التي وهبها الله لخلقه : السمع و البصر و الفؤاد وقد ذكرت في هذا الحديث.
روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله قال : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن فعل شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته و لكن لا بد له منه*.
بقدر ما يؤصل هذا الحديث النبوي الشريف ، عن نور الذات و فرحها بالله و شهودها ، بعكس ما ينذر في معنى عكسي عن انصراف الجوارح و الفؤاد و الحواس ، عن الأنشغال بغير الله ، وتصريف الجهد و الأرادة في خدمة من يعادي الله و رسوله صلى الله عليه وسلم.
وانصراف الحواس و الجوارح في غير خدمة الله يِؤثل لمعنى كثيف يحجب الخلق عن الله و هو غرق الذات في الظلام. وهو درجات ، ومراتب و منازل كثيرة نسال الله أن يعيذنا منها آمين ، تبتدأ بالعصيان ثم الفسق ثم ظلم الأنسان لنفسه ، وقد يتردى الأنسان في دركات النفاق ثم الكفر وهو قمة الجحود ..
تتآلف الذات مع عبادة الجوارح ، وبالأخص الذكر ، و الأعمال النورانية ، فتمتزج بأطيافها و حقائقا في جوهر الذات ، فتصير من عادتها السكينة عوض الهلع و الجزع ، والطمأنينة في مقابلة الغضب والبشر الحسن في الوجه وحسن الظن بالله و الناس ومقابلة السيئة بالحسنة و التسامح و البعد عن الأنتقام، فيصير للذات ذالك النور الذي يتشعشع فيها ، فتثبث القدم في الطاعة.
تحرص جميع الرياضات الروحية على هذه الحقائق الخمس العالمية ، ليصير للأنسان وجود ومعنى.
لكن ظلام الذات امر طبيعي في بعض الخلق من جعل نفسه في خدمة معبود الذل و الخزي و العار : أبليس وجنده عليهم لعنة الله.
يستحيي الله كما جاء في الحديث النبوي الشريف ، ان يقبض نفس عبد المؤمن المحسن الولي في قبض روحه ، ويتردد في مسائته ، لرسوخ قدمه في المحبوبية ، والقبول المنطبع في قلوب الناس، و لوجوده الأستمدادي الأمتدادي في الخلق. فيحزن الخلق لفقده ، وأهل الله من رحيله ، لكن لابد له من لقاء ، ومن أفراح بعد شدة و الم الموت.
الحديث النبوي المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه مليئ بالأسرار و الحكم.
في معنى العمل بأمر الله ، و ما طلبه من فرائض ، وملازمة طريق الشكر بآداء النوافل طلبا للعتق من رق الدنيا وشهوات النفس فتحا لباب الأنس بالله ، و الفناء فيه ، حتى يصير العبد كله نورا فلا يمضي الا بالله نفي لسائر حركاته بحواسه من سمع و بصر و فؤاد ، فيقطع النجذ المؤدي للسعادة بعون الله.
خاطب الله تعالى صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران قائلا : * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .* سورة آل عمران ، آ :152.
خاطب الله صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم يوجه نياتهم لما هو خير و هو طلب الآخرة. فأرتقى من مطمحهم الأدنى النيل من قافلة قريش ومغانهما الى مطلب الأسنى وهو وجهه الكريم.
يرى المحدثون ، وبعض أهل التحقق من أهل التصوف و خصوصا مولانا عبد العزيز الدباغ ، أن حديث *...أنما الأعمال بالنيات .* يؤثل لمعنى نور الذات . نورد الحديث النبوي بسنده كما جاء في شرح الباري لصحيح البخاري لأبي حجر العسقلاني : *حدثنا ‏ ‏الحميدي عبد الله بن الزبير ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد الأنصاري ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏محمد بن إبراهيم التيمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏علقمة بن وقاص الليثي ‏ ‏يقول سمعت ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏على المنبر ‏

يرى المحدثون أن هذا الحديث اصل من أصول الدين العظيمة ، وأنه يدخل في سبعين باب من العلم. وهو من الأحاديث المشهورة عن الفاروق رضي الله عنه ، شأنه شأن حديث المكنى بحديث جبريل :* عن الأسلام و الأيمان و الأحسان.* حديث يدخل الفرد و الجماعة في مبعث القصد ونبعه. ما أرادتي ومن أكون و ألى أين أسير وما مآلي بعد الموت ؟ وكيف القى ربي ؟ أالقاه على المجوسة المحضة كما يقول القوم وهي عبادة نفسي ، أم ألقاه و قد شهدت معبودي في كل آن وحين.
تتصادم الأرادات حينما تختلف الحقائق ، وتتشعب بالأنسان منابع معرفته ، من الناس من يتخذ الدولة ربا ، ومن العلم رسولا ، ومن هوى نفسه طريقا ، ومن المجتمع المدني وحيا ، فلا يعترف الا بما تنتجه العقول الفارغة ولو كان في ذلك هلاك نفسه ، يرى في التقنية البارعة الصنع المستقبل ، ولامستقبل غيره ، يصير فيه الأنسان عبدا لغايته المنشودة و هي المدنية الصاخبة ، في جهلها و جاهليتها و علمها ، وغضها و سمينها ، فما أن يعود الى وحدته الا وأعجزه السؤال الوجودي التافه ، ما بعد السؤال مصيرين : الموت أو الظلام.
خاطب الله تعالى صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة آل عمران قائلا : * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ .* سورة آل عمران ، آ :152.
خاطب الله صحابة نبيه صلى الله عليه وسلم يوجه نياتهم لما هو خير و هو طلب الآخرة. فأرتقى من مطمحهم الأدنى النيل من قافلة قريش ومغانهما الى مطلب الأسنى وهو وجهه الكريم.
يرى المحدثون ، وبعض أهل التحقق من أهل التصوف و خصوصا مولانا عبد العزيز الدباغ ، أن حديث *...أنما الأعمال بالنيات .* يؤثل لمعنى نور الذات . نورد الحديث النبوي بسنده كما جاء في شرح الباري لصحيح البخاري لأبي حجر العسقلاني : *حدثنا ‏ ‏الحميدي عبد الله بن الزبير ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏سفيان ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏يحيى بن سعيد الأنصاري ‏ ‏قال أخبرني ‏ ‏محمد بن إبراهيم التيمي ‏ ‏أنه سمع ‏ ‏علقمة بن وقاص الليثي ‏ ‏يقول سمعت ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏على المنبر ‏

يرى المحدثون أن هذا الحديث اصل من أصول الدين العظيمة ، وأنه يدخل في سبعين باب من العلم. وهو من الأحاديث المشهورة عن الفاروق رضي الله عنه ، شأنه شأن حديث المكنى بحديث جبريل :* عن الأسلام و الأيمان و الأحسان.* حديث يدخل الفرد و الجماعة في مبعث القصد ونبعه. ما أرادتي ومن أكون و ألى أين أسير وما مآلي بعد الموت ؟ وكيف القى ربي ؟ أالقاه على المجوسة المحضة كما يقول القوم وهي عبادة نفسي ، أم ألقاه و قد شهدت معبودي في كل آن وحين.
‏قال سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏إنما الأعمال ‏ ‏بالنيات ‏ ‏وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا ‏ ‏يصيبها ‏ ‏أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ‏.* انتهى. ‏قال سمعت رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يقول ‏ ‏إنما الأعمال ‏ ‏بالنيات ‏ ‏وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا ‏ ‏يصيبها ‏ ‏أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ‏.* انتهى.

ابتدع احد الحمقى في نيوجرسي اورليانس في مطالع الستنينات كنيسة الشيطان ، ولها أتباع بالملايين في دول الغرب ، كثقافة و جنون عند من أراد أن يغرق في عالم المثلية جنسا كاللواط و السحاق ، والغناء الصاحب الذي يصم الآذان ، والعنف الدموي طبعا و منحى.
لم تنشأ هذه الكنيسة ألا بعد ياس الأنسان من جميع معتقداته ، رب خلق العالم و تركه لمصيره هملا ، وأنبياء في الثراث الديني المحرف مصابون بالعاهات النفسية ، كما تصورها التوراة و الأنجيل. وسلبية الألهية تنظر بعين الرضا لما في الكون من التناقضات.
لم تستسغ العقول الحرة ما في الأنجيل من الترهات حول الأرض ، دونية المرأة ، وكبت للعقل. توج هذا ألأنهيار الديني ، حمام الدم الذي عرفه الغرب منذ القرن الثامن عشر ثم بالحربين العالميتين.
انهارت المثل و الأخلاق. لم يصبح الوجود الأنساني عاريا من كل معنى ، شك في القصد ، وجهل في الغاية ، فلا معنى لكل الأخلاق و المبادئ.
ردد اتباع الكنيسة الأنجيلية في أمركا نبوءات القس دون ماتيو الفار من هيرودس ، حول المسيخ الدجال ، والفرسان الأربعة ، ومعركة أرمغدون المرتقبة ، وخروج المسيح عليه السلام .....فما أن ياست من الخرافات توجهت بعد اربابها لعبادة القوة المناوئة : الظلام ، وملك الظلام : أبليس لعنه الله.
الحركة ناشطة ولها أتباع في عالو الغرب ، وفي بعض بلدانينا ، ننقل من موقعها الرسمي اسباب هذه العقيدة :

1 .كنيسة الشيطان في دول العلم : Bienvenue au site web officiel de l’Église de Satan. Fondée le 30 avril 1966 par Anton Szandor LaVey, nous sommes la première organisation visible de l’histoire à se vouer ouvertement à l’acceptation de la nature véritable de l’Homme — celle d’un animal de chair vivant dans un univers animé par la Force obscure que nous appelons Satan. Au cours des âges, l’homme a utilisé plusieurs vocables pour désigner cette Force et celle-ci fut méprisé par ceux dont la nature même était d’être séparé de cette source d’existence. Ces individus nous envient avec obsession, nous qui vivons en nous laissant couler naturellement avec le terrible Prince des Ténèbres. C’est pour cette raison que les individus vibrant au même diapason que Satan ont toujours formé une élite étrange, ceux-ci étant souvent des étrangers dans des cultures dont la masse cherche à se consoler grâce à une divinité extérieure. Nous, les satanistes, sommes nos propres Dieux et nous sommes les explorateurs de la Voie de la Main Gauche. Nous ne nous agenouillons pas devant les fictions et les mythes des disciples spirituels décharnés de la Voie de la Main Droite.
Aujourd’hui, nous continuons à défendre notre héritage en bâtissant à partir du fondement ferme que Anton LaVey a créé et qui est présenté dans ses écrits, ses enregistrements et ses vidéos. Étant donné que nous avons été la première organisation dédiée à Satan, nous avons reçu une couverture médiatique détaillée et avons été affublés de plusieurs noms au cours des tente dernières années : la Première église de Satan, l’Église satanique ainsi que l’Église satanique d’Amérique ; pourtant, nous continuons à porter la dénomination la plus audacieuse et la plus simple, incarnée par les mots Église de Satan.

Certains individus voudraient bien vous leurrer en vous faisant croire qu’ils sont affiliés à nous d’une manière ou l’autre, qu’ils ont ´ évolué ª à partir de nous ou qu’ils nous remplacent d’une certaine manière. Ces gens mentent. Au moment de sa mort, le 29 octobre 1997, Anton LaVey laissa l’Église de Satan sous le commandement de notre Grande prêtresse actuelle, Blanche Barton — sa conjointe, la mère de son troisième enfant, Satan Xerxes Carnacki LaVey, et l’officier administratif en chef de l’Église de Satan depuis les quatorze dernières années. Anton LaVey prenait la préservation de son Église au sérieux, il a donc nommé plusieurs individus au Sacerdoce de Mendès afin d’agir comme ses avocats du Diable ; et ce Sacerdoce — conjointement à l’Ordre du Trapèze et au Conseil des Neuf — travail présentement de concert avec la Grande prêtresse Barton pour faire avancer la philosophie iconoclaste synthétisée par LaVey.

La Maison Noire qui a longtemps été la demeure de LaVey et un des ses chefs d’oeuvres nous a été enlevée, mais nous cherchons toujours à en conserver l’essence. Pressez ici pour obtenir plus d’informations concernant l’état actuel de cette courante bataille.

Ce site servira de portail pour entrer dans notre philosophie, de ressource pour de plus amples recherches, de célébration de nos réalisations passés et de forum pour les nouveaux développements innovateurs de satanistes qui évoluent avec furie et grâce dans cette culture actuelle de médiocrité galopante.

À la gauche, vous trouverez un guide pour vous naviguer dans notre labyrinthe. Ici, vous trouverez tant de merveilles que de mystères, ainsi qu’une montagne de faits. Il se peut que vous tombiez sur quelques liens cachés — des trésors pour les zélés.

Nous vous demandons de bien vouloir débuter par le Mot de bienvenue de notre Grande prêtresse, Blanche Barton, qui vous apprêtera pour votre voyage dans notre monde de magie et de logique, de mystère et de sagesse.

Profitez bien du temps que vous passerez ici, et si vous réalisez que vous faites partie de notre tribu, alors il vous sera assez facile de vous affilier à nous et de vous embarquer dans l’aventure avec d’autres personnes qui partagent votre lucidité.

Nous vous demandons de lire préalablement nos textes de base avant de nous poser des questions ; de plus, il y a beaucoup d’informations dans ce site ainsi que des références à des écrits complets qui vous donneront un aperçu détaillé de notre philosophie et nos pratiques. Si vous frappez vraiment un point portant à confusion, vous pouvez alors rencontrer l’un de nos représentants officiels sur le web ou contacter notre représentante online, la Magistresse Peggy Nadramia à l’adresse HPNadramia@churchofsatan.com.

Les journalistes désirant une représentation médiatique peuvent également contacter la Magistresse Nadramia. Nous étudierons votre demande.

Ainsi s’ouvrent les Portes infernales d’adamante — entrez courageusement ou fuyez furtivement dans l’ignorance et la peur. Le choix vous appartient — que la partie commence
يكره ذرارينا أصحاب العلم المنهجي ، والدراسات الألمعية مثل هذه النصوص ، ويعتبرونها مبالغة في قد ح اسيادهم ، كيف استطاع الرجل الغربي النموذج في التقنية و التنظيم و المنهج العلمي الحر القائم على الشك و الأشكاليات و الملاحظة أن تنطلي عليه الحيلة.؟ و الكنيسة في منشورها تتبرئ من الأفلام الهوليودية المغرقة في الخيال الجامح ، و الأسرار التي تنشرها حول الكنيسة أنها مجرد أكاذيب و ترهات ، وان عبادة الشيطان لها اسس و تقاليد ومراتب .
للظلام تجليات ، و لأولياءه تصاريف و أعاجيب كما يذكر أولياء الله من أهل العلم ، لكن تظل في شراكها الوهمي الخيالي تزين لصاحبها الكرامة و الخصوصية ، لكنه في أخير مجرد أبليس من الأبالسة يزين و يخدع و تنطلي حيلته وتسقط بمجرد ما يذكر العبد ربه.
نسأل الله أن يرحمنا آمين.
2.ظلام الذات:
. ظلام الذات :
نجد مولانا عبد العزيز الدباغ في كتابه الأبريز الذي دونه تلميذه الأغر أحمد بن المبارك في فصل: ذكر الظلام الذي يدخل على عباد الله وهم لا يشعرون ص 251 :
*.....فأما الفاسقون فهم الذين يعبدون و تخرج الطاعة و العبادة من ذواتهم بغير نية و لاقصد ، بل جرت عادة الذات بذلك ، فصارت حركاتهم و سكناتهم في حال الطاعة لأجل العادة ، وعلى وفق الطبيعة من غير غرض من الأغراض ، فلا غرض عندهم لا صحيح و لافاسد ، فليست عبادتهم لله ، ولالغير الله، وأنما عبادتهم لمجرد الطبع والعادة....
أما المحرومون فهم الذين تكون أعمالهم لنفع أنفسهم و لتحصل أغراضها ، و لا تكون لله عز وجل ، وهذه الأعمال لا تزيد الا بعدا عن الله عز وجل ، لأنها مخالفة لسر حقيقة الذات . فأن حقيقة سر الذات أنها مخلوقة لله مفعولة له مملوكة له منسوبة أليه ، لا نسبة لغيره فيها بوجه من الوجوه. فلو جرت أفعالها على هذا السر لكانت كلها خالصة لله ، فكأنه لاحظ لي في شيء من أفعالها ، أذ هي كلها مخلوقة لله ، فتخرج عنه الأعمال عند صدورها على سر حقيقة الذات.
وأما أن يقول ذاتي هي لله و أفعالها لي فينويها لنفسه و لتحصيل أغراضها ، فهذا لا يجري على حقيقة سر ذاته ، و لايمكنه أن يوفي بشيء من حقوق الله ، لأنه يفعل لغرض نفسه ، لا للقيام بحق لله ، فقد انقطع عن الله في أفعاله ، فتنقطع عنه العطية من ربه عز وجل ، فيكون محروما من المحرومين....*كتاب الأبريز ص 251.252.
تحدث أهل الله عن القواطع ، وما تعتري العبد من العوائق في الطريق ، وكلها تتعلق بالنية و القصد.
فكيف ما يعيشه الناس في الغرب ؟
لا تكتمل آدمية العبد الا بعد أن ينزع حظ الشيطان منه و يسعى لحربه ن ينفر من الباطل و صوته ، ومن الغضب و سلطته ، ومن الغفلة و سهوها ، و من الشهوة و هيجانها.
لكن للظلام جند و قوى مارقة في الكون تجلب بخيلها وصوتها على العبد ولها حبائل وهي الهوى و النفس و ايحاءات ووسوسة الشيطان ، وتيزين للأنسان ما يتمنى و تسعى في خرابه .
يرى ابن تيمية رضي الله عنه في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمان و أولياء الشيطان ، ص 71:*.........وبين كرامات الأولياء و ما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة :
- أن كرامات الأولياء سببها الأيمان و التقوى ، و الأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه و رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى قل أنما حرم الله الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ، والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )، الأعراف آ 33.
فالقول على الله بغير علم و الشرك و الظلم و الفواحش قد حرمها الله و رسوله فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى بالكرامات عليها ، فأذا كانت لا تحصل بالصلاة و الذكر و قراءة القرآن بل تحصل بما يحبه الشيطان ، وبالأمور التي فيها كالأستغاثة بالمخلوقات ، أو كانت مما يستعان بها على لم الخلق و فعل الفواحش فهي من الأحوال الشيطانية.*
تتقزز النفس عندما تقرأ ما أوردناه من نص الشطاني المقتبس من مو قع كنيسة الشيطان ، تخضع أرادة الأنسان أحياتنا لدوابيته و عنفه و جاهليته ، و يظل في عماه المطلق لا يتحسس نور ا يذكره بالوحي ، يقول مولانا عبد السلام ياسين ن متحدثا عن العقل المعاشي عند الأنسان المعاصر:*....عقلانية علومية تنظيمية هي في حوزة غيرنا. تتقمصها العقلانية الفلسفية وتحتج بها لتُؤكد للإنسان أنه إنسان لأنه يفكر، ويخترع، ويصنع.

لا مكان في بلاد العقلانية الفلسفية لطرح سؤال المعنى والوجود والغاية. لأن الضجيج الذي أحدثته العقلانية الأخرى يغطي على همس الفطرة ويسكت صوتها ويُنسي سؤالها.

عجزت العقلانية العلومية الاختراعية التصنيعية التنظيمية عن إدارة نتائج ما صنعت يدها. في بلاد التكنولوجيا المتطورة الاوتوماتيكية الروبوطية اختصار للعمل، واقتصاد في الوقت، وتسريع للإنتاج السوقي تغرق به متاجر من يدفعون ولا ينتجون. ومع التقدم المهول للعقلانية العلومية المصنِّعة يختفي الداء العُضال، والعمَى والصمم عن الحق. لا يعرف هذا العقل العلومي المادي الله، ولا يريد أن يعرف، ولا وقت لديه ليسمع من يضع عليه سؤال الفطرة.

إنه مشتغل بالأمراض الاجتماعية البيئية الاقتصادية السياسية التي أوقع فيها العالم، لا يجد لها حلا. الصناعة تلوث البيئة. هذا هو المشكل. الروبوطية تسبب البِطالة. هذا هو المشكل. ونسي وتناسى مشكل وجوده، من أين وإلى أين؟

هذه العقلانية المتفَرعنة بإنجازاتها تقول بلسان حالها وفلسفتها الضمنية ووجودها الثقيل المالئ للآفاق: أنا الله كما قال فرعون: )يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري(.(سورة القصص، الآية: 38) وما هي في الحقيقة إلا مظهر وآلة للهوى يتصرف بها في العالم بنزغ الشيطان ونزوات النفوس الجاهلية.

هذه العقلانية المعاشية آلة نطلبها، يجب أن نطلبها، بجهاد تشترك فيه المومنات. جهاد لامتلاكها وتكييفها وصياغتها صياغة تخدم الحق لا الباطل، العدل لا الظلم، الإحسان إلى الإنسان لا تردية الإنسان.

النفوس الجاهلية المتمردة على الله الماسكة بسلاح العقلانية واهية هلوع حائرة. طلقت الدين فأدبر عنها مع الدين الأخلاق والرحمة. طردت الدين وصمت عن السؤال الفطري، وعميت عن تدبر آيات الله في الكون، فهي سابحةٌ في صحبة الهوى والشيطان، متقلبةٌ في رغباتها الاستهلاكية المُنوّعة المجددة، غاطسة في أوحال الرذيلة الشهوانية، مرتدةٌ إلى الشعوذة الشيطانية، والأوهام الصبيانية تملأ بها فراغا كان يشغله الإيمان بالله.

المديرون الكبار في الشركات عابرة القارات، ورؤساء الدول منهم ومن بني جلدتنا، وكبراء القوم، يذهبون إلى المنجم والعرافة في باريس ونيويورك وهامبورغ ليختار لهم المنجم وتحدد لهم العرافة الوقت السعيد لعقد صفقة، أو دخول انتخابات، أو شراء سنَدات في البورصة، أو افتتاح معمل.

نفوس متفلتة يحركها الهَلَعُ، منزلقة يؤثر فيها تصريح وزير، ويهزها الجزع من حادثة في أقصى الأرض، فتهبط قِيَم السندات، وتنهار إمبراطوريات رأسمالية، وتُفلس أبناك، وتنشب حروب اقتصادية.

أو يأتي زعيم جديد ينفخُ في الوعود الانتخابية فتنتفض الأموال، وترتفع أو تنخفض أسعار الفائدة الربوية، ويتجدد أمل في ارتفاع مستوى المعيشة وفي انخفاض أرقام البطالة.

يقول الله تبارك وتعالى، وهو أعلم بما خلق، يصف لنا الإنسان في حالة تمرده على الله وحالة رجوعه إليه: )إن الإنسان خلق هَلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون. والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم. والذين يصدقون بيوم الدين. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون. والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم بشهادتهم قائمون. والذين هم على صلاتهم يحافظون. أولئك في جنات مكرمون(.(سورة المعارج، الآيات: 19-35)

في هذه الآيات الكريمة استُثني المومنون ونُزهوا من الهلع الإنساني بشروط ترسم معالم مسيرة العقل إلى التحرر من قبضة الهوى، ومسيرة النفس إلى التحرر من الهلع والجشع وجاذبية أرض الغرائز الحيوانية والأنانية الدوابيّة.

إذا آمن الإنسان بالله وأسلم وجهه إليه ووفّى بالشروط التحريرية أكرمه الله فأزال الغشاوة عن بصره القلبي، والوَقر عن أذنه التي تسمع الحق فتؤديه غير مشوب بطفيليات هوس العالم. وأكرمهُ سبحانه بالعقل القلبي الذي يتفكر في خلق الله، ويتدبر في حكمة الله، ويتعجب من حسن صنع الله، ويعقل عن الله. ويطيع الله بعد ذلك لا يطيع الهوى ولا يستزله الشيطان.

يكرم الله المومنين به والمومنات بنور العقل القلبي فيفقه عن الله ما يخاطبه به في آياته المنزلة في القرآن، ويعقل عن الله ما يخاطبه به من الآيات المخلوقة في كونه الجسمي والنفسي، وفي الكون الخارجي عنه من أرض، وشمس، وقمر، وكواكب، وإنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، ونظام بديع. يفقه ويعقل خطاب الله له المزدوج يدعوه لينظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلـق الله من شيء، وفي فعـل الله بالناس حين خلقهم من نطفـة ثم من علقـة ثم أطوارا إلى أن خرجوا من ظلمات الأحشاء إلى عالم البلاء. وكيف يعمرهم عمرا طويلا أو قصيرا، وينكُسُهم في الخَلق حين يبلغون الكبر. كل ذلك ليتذكر الإنسان المتحرر من ربقـة الهوى والهلع أن له أجلا وموعدا مع الله في الدار الآخرة.* كتاب تنوير المؤمنات
يرى الغرب أن الله و الغيب قوى خارجة عن عقل الأنسان ، ومن ثم يستحيل أن يخضع الأنسان للوحي ، كما كان يفعل في عصره الطفولي فعبد كل شيء الحجارة و الطوطم والصنم والكوكب.
نشا العقل المسلم في المسجد وفي رحاب الوحي ، يستمد الحكمة و الرحمة منه ، وينضبط بميزان الربانية ويتتلمذ عليها ، ونشا العقل المعاشي في رحاب ساحة الأكورا يستفسر عن الكون و أسراره ، فطرح الأشكاليات ، لكنه ظل عاجزا عن جواب السؤال الوجودي : الى أين؟.
يستحلي العقل المعاشي اسئلته وان كان فيها نوع من البحث و السبر و الأستكشاف ، لكن يظل في جحوده لاينظر ألا بحواسه و يحكم بقوالبه و يخضع لمناهجه العلمية الكونية المنظمة ، ولإجتهاده الذي لا ينكفئ في البحث عن كل صغيرة و كبيرة ، وجزئية من الجزئيات ، وكأنه أحاط بكل شيء .لكنه سرعان مايقع في قطيعة معرفية مع كل ما سبق ان وجد في معارفه نوع من التراكم. تستحيل الإجابة عنها بالوسائل العلمية المتاحة ، فيتجاوزها الى بساط أرفع و علم انفع مجددا كل ما سبق بطريقة علمية متجددة.
هذا ما يعلم باشلار ذرارينا المتفيهقين الغارقين في وحل المناهج و مستنقعات الأفكار البليدة الجاحدة لما أعطاها الله من العلم في رحاب الوحي ، ولا حول و لاقوة الا بالله.
يقول أبن تيمية رضي الله عنه في نفس الكتاب ص72:*......ومن هؤلاء من حضر سماع المكاء و التصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء و يخرجه من تلك الدار ، فأذا حصل رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه فيسقط. كما جرى هذا لغير واحد. ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق أما حي أو ميت ، سواءا كانذلك الحي مسلما أو نصرانيا أو مشركا يصور الشيطان بصورة المستغاث به و يقضي بعض حاجة ذلك المستغيث ، فيظن انه ذلك الشخص ، أو انه ملك على صورته ،وأنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله كما كانت الشياطين تدخل في الأصنام و تكلم المشركين. ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له : أنه الخضر. وربما أخبره ببعض المور وأعانه على بعض مطالبه ن كما جرى ذلك لغير واحد من المسلمين......
وهذه الحوال تحصل الشيطانية تحصل لمن خرج على الكتاب و السنة وهم درجات ، و الجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم.* كتاب الفرقان.
أورد النص لسيد ابن تيمية سلطان المذهب الشاعري السلفي ، والرجل لا ينكر الفتح الشيطاني ، ولاخرق العادة ويذكر كيف يهجم الظلام على ذات العبد.
يقول الشيخ عبد السلام ياين في أحدى فقرات كتابه الأحسان متحدثا عن شخصية ابن تيمية :*.....برز ابن تيمية من بين الحنابلة الذين انضمت قلوبهم على كَمَدِ فتنة الإمام الجليل أحمد بن حنبل وتعذيبه وجلده على يد المامون والمعتصم.ونبغ ببيانه وقوة عارضته ومتانة شخصيته. فكان كنقطة بيان وإعلان في أوج المشاغبة الحنبلية المستديمة في وجه السلطان ومن معه من جمهرة فقهاء المذاهب الفقهية الأخرى. يجمع هذه المذاهب في نظر أهل الحديث الحنابلة إجماعُها على الأشعرية الماتوريدية في العقائد، وشبه إجماعها على التصوف من حيث كونه السلوك الأخلاقي الروحي الضروري لكل طالب للحق.

وطفق الفريقان من أهل الحق، الحنابلة من جهة، ما خلا ابن الجوزي المؤول، وسائر العلماء من جهة أخرى، يختصمون في أخبار الصفات، وفي الاستواء على العرش وحقيقته، وهل تثبت الصفات بما تثبت به الذات أو بشيء زائد، وهل النص المروي بخَبر الآحاد تثبت به عقيدة، وهل تُحمل الأخبار الصفاتية على الحس أو على المجاز،وهل نؤول بعض تلك الأخبار أو كلَّها لنعرف كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، ولنعرف كيف يأتي الله عز وجل إلى عبده هرولة إذا جاء العبد إليه يمشي، وهل القول بالجهة في حق الباري جل وعلا يُلزم القول بالجسمية أم أن اشتراك الحق سبحانه في الصفة مع العبد اشتراك في الاسم لا في الحقيقة.

في قضية التشبيه والتنزيه قضى علماء الأمة زمانا في الجدل والخصومة. لكل فريق من أهل الحق، ما بين صوفية أشاعرة وفقهاء مناظرين ومحدثين أثريين، خيارُه وعيارُه، وحظه من العقل والنقل والإرادة. سفينة الأمة اختلف على مقادتها ربابنَة متَعَددو الوجهات والنيات والقدرات.كل يدعو إلى اجتهاده ومَبْلَغ علمه، مخلصا مصيبا مرة مخطئا أخرى،ولم يخل الجو أبدا من أصحاب النعرات والنفاق والتعصب والمسابقة إلى الرئاسات والمِنَح والمناصب بالتزلف إلى الحاكم السائر برياح هواه. البشرية لم تتعطل، والشيطنة الجنية والإنسية لم تُعزل.

أنماط من التفكير، وألوان من المذهبيات، واختلاف في الأهداف والأساليب. انتقضت عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانفرطت ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، وذات البَيْن الحالقة للدين، حبّاتُ العقد الإسلامي، وانفرطت جامعة الإيمان السمحة التي جاء بها الوحي بغياب وازع السلطان.اشتغل السلطان العاض، الذي يمثل في تاريخ الإسلام بدعة أعظم بدعة، بحرب القرآن وأهل القرآن. وأعانه هؤلاء على أنفسهم بالخصام والتراشق.

أفنبقى، ونحن على أعتاب الخلافة الثانية إن شاء الله، أسرى التجربة الخلافية التي خاضتها الأمة ؟ من أين نبدأ ؟ وما السبيل إلى إيمان لا إله إلا الله، وعصمة "قل ربي الله ثم استقم" وفلاح )رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا( ؟(سورة آل عمران، الآية: 193).* كتاب الأحسان
كان ابن تيمية رحمة مثاليا شديد المراس قوي الشكيمة في الدفاع عن الله تعالى و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، نافح ودافع و جاهد واختاى بنفسه بتوفيق من الله في سجن القلعة ، فأذاقه الله نعم المراتب و المقاعد فعرف ما للصوفية من الحق.
لم يستسغ ابن تيمية ما في كتب الفصوص من الأشارات ، وصرح كم من مرة انه كان معجبا بكتاب الفتوحات المكية ، نترك هذا النقاش لدراسة لاحقة ان شاء الله.
وقد اعتاد الوهابية ان ينكروا الفتح الشيطاني و الرحماني معا.
نسال الله الرحمة آمين
كيف يفسر العقل ما يشاهده من خوارق العادة في عالم الغرب ؟ اتصال بالأرواح ، تحدث أمرأة عجوز بلغات ميتة من الآرامية و البابلية و العبرانية القديمة ، تحرك الجماد ، ظهور الأشباح في المنازل أو ما يسمونها عادة بالأرواح الشريرة.؟
يرى المسلم الذاكر لربه أنها مجرد ألاعيب شطانية يزينها الشيطان لأولياءه ، وتخذير نفسي متقن لم يتقن ألاعيب السحر النفسية فيوهم المشاهد وأن كانت هذه اللاعيب تكتسب بالرياضة و التمرين.
ويراها بعض عقلاء المسلمين وما اكثرهم أوهام و أحلام و خرافات.
وينكرها بعض المسلمين بالجملة لا وجود لهذه الأمور الخارقة ، فالغيب و الشهادة لا يلتقيان أبدا حسا ومعنى و صورة.
نقف مع مولانا عبد السلام ياسين في كتابه الأحسان يشرح لنا هذا الستدراج الشيطاني الكئيب قائلا :.....*البرخيون، أصحاب الكرامات يسخرونها بالحق في الحق، أولياء مهتدون، والبلعميون مخذولون مستدرجون، ابتلاهم الله بظهور الخوارق على يدهم فزلَّت أقدامهم وأبلسوا. وإن لله عز وجل أبواب فتح لأوليائه، تخرج إليهم الهداية من باب (إنا فتحنا لك)، وله عز وجل أبواب فتح على المستدرجين، تخرج عليهم البلية من باب )فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ(. بين فتحنا لك وفتحنا عليهم تكمن حكمة الله البالغة التي يتقابل فيها النظراء في المظهر النقضاء في المخبر. مع المفتوح لهم من أهل النور الأولياء خوارق، ومع المفتوح عليهم من أهل الظلام خوارق. هؤلاء مُبعَدون ملعونون، وأولئك مقربون محبوبون.
3.الأستدراج الشيطاني :
قال الإمام الرفاعي قدس الله سره: "أي بني! اعلم أن الله تعالى ربما يزين أعداءه بلباس أصفيائه وأوليائه حتى إنهم يغترون بصفاء الأوقات، ويحسبون أنهم من أهل الولاية. فهذا من الله لهم استدراج"[1].

مخالفة الخوارق للشريعة في أهدافها وما ترمي إليه هي الدليل على أنَّها من قبيل الاستدراج. وهي عندئذ إما شيطانية من أعمال الجن، وإما نفسية من مظاهر المَلكات الخارقة التي تكتسب بالرياضة، أو يُظهرها الله فيمن شاء ابتداء وابتلاء بلا رياضة ولا تعمل. الكرامات إلهية ملكية قلبية، والاستدراجات شيطانية نفسية شهوانية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يتكلم في الموضوع كلام خبير مجرب مطلع: "الخارق كشفا كان أو تأثيرا، إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا. إما واجب وإما مستحب. وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي الشكر. وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعم بن باعوراء. لكن قد يكون صاحبها معذورا لاجتهادٍ أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غَلَبة حال، أو عجز أو ضرورة.(...).

قال: "والنهي قد يعود إلى سبب الخارق، وقد يعود إلى مقصوده. فالأول مثل أن يدعوَ الله للظالم بالإعانة، ويعينَه بهمته كخفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال"[2].

من قوله: "خُفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال" يتبين لأهل هذا الفن ما عند الرجل من خبرة دقيقة بموضوعه. فإن من الذاكرين والمجاذيب وأصحاب الخوارق طائفة لا تتقيد في طلبها من الله بقيد. وقد يدعو أصحاب الأحوال بنصر العدو، وقد يقفون بهمتهم المتيقظة بجانب الظلمة ضد المُصلحين من أمثال ابن تيمية. وإن سألت أيها الأخ الكريم : لماذا؟ فجوابك في قوله تعالى: ) إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ( (سورة الأعراف، الآية: 183).

ويغتر العامة ممن لا خبرة لهم بأن مَكر الله خيرٌ وكيده متين بالخوارق والتصرفات والتأثير بالهمة التي تظهر على من يكون شيطانيا محضا أو مستدرَجا بلعميا أو متريضا نفسيا. قال شيخ الإسلام: "وتجد كثيرا من هؤلاء ( المغترين ) عُمدتُهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر منه مكاشفة في بعض الأمور، أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو يُنفق بعض الأحيان من الغَيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سُرق لهم، أو بحال غائب لهم أو مريض"[3].

إن الظواهر الخارقة، ما بين شيطانية جنية وما بين نفسية رياضية، تملأ حيزا واسعا من حياة الناس في عصرنا، وحيزا أوسع من اهتماماتهم وعقائدهم. فالمصابون بالجنون الذين اعتدى عليهم جني، يعمل في حرفته الإجرامية مفردا أو مع عصابة شيطانية منظمة، يُهرعون إلى العرافين والعرافات للاستشفاء، فيسقطون في الأحضان الشيطانية سقوطا كليا. وقد كان ابن تيمية رحمه الله خبيرا بصرع الجن وقهرهم، صرعُهم بالقرآن والذكر سنة وعمل صالح ودفاع عن المظلومين، والتفاوض معهم في ردهات العرافين بِدْعة وغواية وتورط فظيع، ولا يزداد الجن العادي إلا عدوانا.

منذ نحو مائة سنة ظهرت في أوربا حفلات ما يسمى باستحضار الأرواح. وشاعت هذه البدعة وذاعت، واشتغل بممارستها ودراستها هواة متخصصون وبحاثون. وما هي إلا لعبة عصرية من ألاعيب شياطين الجن، يوهم القرينُ الشيطاني ورثَة الميت "المستحضر" أنه هو روح ميتهم ويُدلي إليهم بما يعرفه من حال الميت من دقائق وأسرار فيقنعهم ببراهين واقعية أنه هو، حتى أنه ليكتب لهم خطا مثل خطه، أو ينشدهم شعرا مثل شعره كما وقع في مصر في سنة 1949 من تاريخ النصارى، حين أملى قرين جني على امرأة تسمى بديعة قصائد طنانة هي أشبه شيء بشعر شوقي رحمه الله. والمرأة لا ثقافة معها ولا معرفة بالشِّعر.

وجود القرين الجني الذي يعيش مع كل آدمي عمرَه، يلازمه ويطلع على كل أحواله ثم يموت الآدمي ويعيش الجني قرونا بعده، يفسر جانبا كبيرا من النشاط الشيطاني الذي يُقعد الناس في الشرق والغرْب إلى الموائد الدَّقاقة يستمعون إلى "الوسيط" وهو يترجم لهم كلام "الروح" المتسكعة، أو يحسبون النَّقرات ويجمعون الحروف ليتلقوا "برقية عالم الغيب" في إخراج مثير يتقنه الشياطين دائما.*....من كتاب الأحسان.
زخرت الأنتاجات الهوليودية في نهاية القرن العشرين بقراءات و تساؤلات عن الغيب ، عن نهاية العالم ، عن المسيخ الدجال بحسب أناجيلهم ، تساؤلات تنم عن خوف الغرب و هلعه وجزعه من النهاية يتعجلها أحيانا في خياله لا لشيء ألا لتعبه الوجودي ، الذي لم يحل ألا أمرين : شهوة الفرج و البطن الحسية ، والتفاخر بملأ البصر في أختراعاته العلومية ، وسيطرته الجنونية صلفا بالعدوان وحمية الباطل الجاهلية. لايريد ان يعترف الغرب بنهاية حتمية بيد الله و أرادته ، بل ينسبها لفعل الأنسان و شرهه و انانيته ، اعتراف نوعي لكنه في عمق الحقيقة مجرد عزاء والم وبؤس و كآبة ، كيف ينتهي العالم و الأنسان في قمة عقلانيته ، يشيد ويؤسس.؟
ثم تاتي حكمة الله بأعجز خلقه و في برهة من الزمن ، يضع الأنسان في نسبيته الكئيبة حقا كما يصر عليها شوبنهاور الفيلسوف الألماني المغرق بالتشاؤم ، وامام الحقيقة المرة ، صورها ابن عربي رضي الله عنه في فصه الآدمي : ما أعز الأنسان بربوبيته ، وما أذله بعبوديته.!.
من هذه الأفلام الهوليودية :

2.la neuvieme porte.
3.revelation.
4.le fins des temps.
5.le cas d emily rose .
7.damien.
8.l antichriste.
تدخل هذه الأنتاجات في البحث عن الكيد الشيطاني ، ولضعف نفوس القوم هناك ، بنوع من المبالغة في الخيال والأتقان في المشاهد ، يتأرجح الشيطان هناك بين جسد المرأة و الرجل ، والفتاة المرهقة والرجل الكهل ، وكلها حكايات تنم عن حكمة توحي بها هذه الترهات العقلية النفسية : حكمة الشيطان، وحبائله وقيمة العقل ، وانحطاط الأيمان ، ومصير الأنسان الذي يخلقها بنفسه فيتغلب على المكر الشيطاني.وسلبية الخالق كماذكرت، وهراء القدر .
وكلها قيم يصنعها الغرب بنفسه في صور متجددة ، استعداد لثقافة كونية جامعة يغيب فيها الدين ويمجد العقل.
يلعب فيها الجنس بجميع أشكاله الحبل الأول في الكيد ، لاتخلو تلك الأفلام من أعتبار الجنس مجرد متعة ، خالية من كل قيمة ومبدأ ، يختلط فيها الزنا المباح بهتك المحارم و المثلية الذميمية ، الى تمتع لشيطان نفسه بجسد الرجل والمرأة ، وأحيانا العقل الأنساني العاجز عن مواجهة كل شر.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان ، في فقرة الأستدراج مجددا:*...أخطرُ من لعب القرناء بالمستدرجين من كل صنف، وأخطر من الرهبنة النصرانية، دعوة "الروحانية" الهندية الهندوسية. عرفت هذه الهَوَسِية مدّا واسعا وشهرة عالمية بما يظهره رهبانها المتزهدون من خوارق عجيبةٍ، وبما يبعثونه في نفوس الغرب المادي المتعطش للروحانية من آمالٍ في نعمة الهدوء النفسي والطمأنينة التي تصبو إليها الفطرة البشرية، والتي لا تحصل إلا بذكر الله بعد الدخول في الإسلام وتعلم الإيمان.
1.l avocat de diable.
ظهر في القرن الماضي في الهند مجدد كبير لديانتهم الوثنية اسمه "راما كرشنا". قال عنه غاندي: "إنه مَثَلٌ للعقيدة الحية الساطعة التي تحمل في طياتها العَوْن والقوة لآلاف من الرجال والنساء لولاه لظلوا محرومين من النور الروحي".

يدعو راما كرشنا وغاندي في أثره وأشياعه من بعده إلى توحيد الأديان، لأن كل الأديان العظمى في زعمهم تنتهي، بواسطة طرق متباينة، إلى إله واحد.

هذه الدعوة الظلمانية فتح الله على أتباعها من يوكيين ومتزهدين أبواب كل شيء مما يحيِّر العقول ويبهر الناظرين. ومع بضاعة الاستدراج الخارقة يقدم دعاة راما كرشنا، الذي أصبح اسمه هُتافا عاليا في شوارع العواصم العالمية، طَبَقاً مسموما، هو طبق وحدة الوجود الوثنية. قال كرشنا: "اختر لنفسك أي اسم، واختر من صور الله وأشكاله وألوانه أية صورة وأي شكل وأي لون، واعبد الله فهو في كل شيء".

إلى جانب "الروحانية" الهندية، والحفلات القرينية، والزار، والسحر، والعرافة، يبدو وكأنَّهُ لعبُ أطفال ما وُلع به الغربيون في أمريكا وأوروبا، وما تخصص فيه الروس الملاحدة أنفسهم، من أبحاث في "الباراسيكولوجيا" و"التلباتي" و"التلكنزيا" وغيرها من الظواهر التي لا يحصيها العد نوعا ولا كما. يهتم الغرب، ويتسابق مع روسيا، لمعرفة الأسباب الخفية وراء انتقال الأشياء من مكان إلى آخر دون أن يَمَسَّها أحد، وانفتاح النوافذ، وانطفاء الأضواء، وظهور أشباح في أماكن معينة، وارتفاع أشخاص في الهواء، وقراءة بعض الناس بأصابع اليد بدل العين، وقراءة بعض الناس أفكار الآخرين، والتنويم المغناطيسي، ورؤية الخفايا، وسمع ما لا يمكن للإنسان العادي أن يسمعه، ورهافة الحواس حتى إنها لتدرك ما لا تدركه إلا الآلات الإلكترونية، والنبوغ المبكر الخارق عند أطفال يحسُبون أسرع من الحاسوبات الإلكترونية ويدخلون الجامعة في الخامسة من العمر، وتحدُّثُ بعض الناس بلغات ميتة أو حية دون سابق تعلم، والصحون الطائرة إلخ.
*.كتاب الأحسان، فقرة الأستدراج.
نسأل الله العفو و العافية آمين

فتح الله أبواب كل شيء على الملحدين في أسمائه، المستدرجين إلى حيث يعلم هو وحده. العقلانية المخترعة المنظّمة تحاول أن تُحكم قبضتها على ما يستعصي قبضه ويستحيل. معاهد للبحث العلمي المتخصص، وجبال من المعطيات، وإحصائيات تتراكم، ومناهج تكتشف وتُصَوِّب. والقوم جادون كل الجد في أبحاثهم، ينفقون على مشاريع هذه العلوم، التي يستحدثون لتسميتها قاموسا جديدا، بسخاء، رجاء أن يسبقوا إلى سرّ يمكن استعماله، يعطي تفوقا استراتيجيا.
يمنع الأنسان نفسه من النور أن أستمع لنداء الهوى و النفس و الشيطان ، وتزداد الحجب كثافة كلما اقترب العبد من دائرة العصيان ، ويبتعد عن النور كليا أن كفر بالله ، وألحد في أسمائه وصفاته.
في أكثر النصوص شرحا لهذه الحقيقة ، وكيف يبتعد أهل الباطل من المعرفة الألهية ، نجد نصا فريدا لمولانا عبد العزيز الدباغ، قال :*......وأن الحق نور من أنوار الله سبحانه وتعالى تسقى به ذوات أهل الحق، فتشعشع أنوار المعارف في ذواتهم ، وأن الباطل تسقى به ذوات أهل الباطل فتسود عقولهم وتعمى أبصارهم عن الحق، وتصم آذانهم عن سماعه ، بل لايقع في عقولهم و لايخطر ببالهم، وأنما الحق عندهم بمنزلة شيء في طي العدم لم يسمع به قط فغفلتهم عن الحق كغفلة ذوي العقول عن مثل هذا الذي هو في طي العدم على الصفة السابقة.
ولذلك يفتح على أهل الباطل في مشاهدة هذا العالم سمائه وأرضه و لايشاهدون فيه ألا الأمور المتعلقة بالأجرام الحادثة وهيآتها ، مثل ما يذكرونه من أحكام النجوم مثل النجم الفلاني موضعه في الفلك كذا وأنه أذا قارنه بنجم كذا كان كذا وكذا، ومثل نسبة لغة العرب الى برج العقرب ولغة العجم الى المريخ وغيرذلك..* ص 448
يفتح الله على أهل الباطل عن طريق الرياضة والسهر و المجاهدة ، واخبار أصحاب الرياضات الروحية في الغرب ملأ الأفق، أمثال البوذية و الريكي وغيرها ، و للغرب ولع في هذا المضمار نظرا للعطش الروحي الذي يعانونه.
تمكنت الجاهلية بفكرها وعاداتها في النفوس ، ورغم العلم و التقنية و التنظيم البارع في الشان العام ، كما يقول البعض مشيدا بالعقلانية الحديثة لكن في صميم المر و عمقه ، لاتجد الا الظلام الجاثم على القلب ، والجحود المتأصل في الروح ، وحب السيطرة ما يسود في عالمنا المعاصر يول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه : الأسلام والقومية العلمانية :*....أسلوب ديني، ويبذلون جهود القانط حتى يوفقوا بين معتقداتهم وبين روح حضارتهم. ولكن هؤلاء شواذ فقط. إن الأوربي العادي، سواء عليه أكان ديمقراطيا أم فاشيا، رأسماليا أم بلشفيا، صانعا أم مفكرا، يعرف دينا إيجابيا واحدا هو التعبد للرقي المادي، أي الاعتقاد بأنه ليس في الحياة هدف آخر سوى جعل هذه الحياة نفسها أيسر فأيسر، أو كما يقول المثل الدارج : "طليقة من ظلم الطبيعة". إن هياكل هذه الديانة إنما هي المصانع العظيمة، ودور السينما، والمختبرات الكيماوية، وباحات الرقص، وأماكن توليد الكهرباء. أما كهنة هذه الديانة فهم الصيارفة، والمهندسون، وكواكب السينما، وقادة الصناعات، وأبطال الطيران. وإن النتيجة التي لا مفر منها في هذه الحال هي الكدح لبلوغ القوة والمسرة، وذلك بتكوين جماعات متخاصمة مدججة بالسلاح، ومصممة على أن يُفنيَ بعضها بعضا حين تتصادم مصالحها المتقابلة. أما على الجانب الثقافي، فنتيجة ذلك تكوين نوع بشري تنحصر فلسفته الأخلاقية في مسائل الفائدة العملية، ويكون أسمى فارق لديه بين الخير والشر إنما هو التقدم المادي"[1].
وردت كلمة "جاهلية" في القرآن الكريم مقترنة بالحمية والعصبية القومية اليوم هي الرباط الاجتماعي الذي لا يزال السمة الغالبة عمليا على تكوينات الدول المصنعة. وإن كانت شعوريا وثقافيا تعم أنها تجاوزت القومية بعد استقرارها وبعد الحروب الدامية، ومنها الحربان العالميتان، التي اصطدمت فيها القوميات.
الجاهلية بعد هذا تحمل معنيين آخرين : الجهل ضد المعرفة، فهي لا تعرف الله تعالى، والجهل ضد الحلم، وهو العنف. بهذا تكون الجاهلية مفهوما عاما لا يصف حالة الجيرة العربية قبل الإسلام، بل حالة كل مجتمع توفرت فيه السمات الثلاث : حمية وعصبية تنافيان التحزب لله عز وجل، ثم الجهل بالله عز وجل ولو كانت المعارف الكونية غزيرة، ثم ما يترتب على تينك المقدمتين من عنف. ولا مراء في أن المجتمعات التي ولدت فيها الحضارة المادية كردة فعل ضد الدين الكنسي، وولدت فيها الدولة القومية كحقيقة الحقائق السياسية، وعرفت أشنع الحروب، وصنعت القنابل الذرية وسائر الوسائل الجهنمية، هي مجتمعات جاهلية. يرحم الله شهيدنا سيدا قطبا فقد كان الصوت الناصح الذي لا يعرف الهوادة حين ندد بالجاهلية وقابلها بالإسلام، فأوضح مفهوما كان يتردد تحت قلم أبي العلاء المودودي رحمه الله.
لكن أين تمر الحدود بين الجاهلية والإسلام ؟ أين يقطع الخيط الفاصل بين الحق والباطل ؟ أيمر عبر الدول ؟ أم عبر الطبقات ؟ أم عبر الأحزاب السياسية ؟ أم عبر المذاهب ؟ أم في قلب الإنسان ؟ أم في عقله ؟ أم في التاريخ ؟
نرجع إن شاء الله لكل هذه المعاني : إنما نضع هنا صوة من صوى الطريق في انتظار العودة المنهاجية. والله المستعان.
إننا معاشر المسلمين في أوائل هذا القرن الخامس عشر المبارك، أمة مستعبدة، أمة اختلطت فيها القيم بفعل الاستعمار والغزو الثقافي، وتشعبت أمامها الطرق، وتأزمت فيها السياسة، وتأزم الاقتصاد، وعلت فيها الآراء العلمانية القومية، واختلفت المذاهب. وكل هذا يهون في جنب الدعوة المعلنة أو الضمنية للعلمانية، وبالتالي والتابع المنطقي للإلحاد. فالأسئلة المنهاجية أمام هذا الخطر، وعلى ضوء ما آل إليه أمر النصرانية، هي : هل نتحرر ضد الإسلام أم بالإسلام ؟ هل القومية والعلمانية خدنان لا يفترقان ؟ هل العنف ضرورة للتحرر ؟ إذا كان، فضد من ومع ومن ؟
إن للإسلام الرسمي الموروث، إسلام الواجهة، إسلام أجهزة الحكم الجبرية في بلادنا، ارتباطات بأعداء الإسلام في الخارج، وارتباطات طبقية في الداخل، وصبغة محلية قومية، ووظيفة تخديرية. وإن تأملا بسيطا لاستعمال "المارشال - الإمام" النميري للشعارات الدينية كاف أن يقنع كل من لا يعرف من الإسلام إلا إسلام الوجوه المنافقة بأن الدين أفيون الشعوب. كاف أن يقنع من يعرف تاريخ الجاهلية المعاصرة ومداخلها ومساريها إلينا أن "الإسلام بخير" فما الإسلام ؟ وما الجاهلية ؟ وما الطريق ؟*.الأسلام و القومية العلمانية ، فقرة : الجاهلية.
يظن مسبقا القارئ لهذ المقال و كأن الغرب قبح في قبح ، وظلام و ظلام ، لامكان للنور فيه.
لكن نور العقل وحده لا يكفي أن لم يكن الوحي منبعه وملاذهعند الأشكال و الريب و الظن و الجهل.
كما لايستقيم النور وحده في القلب ، دروشة وأستكانة و ذل بين الخلق .
وحجب الظلمانية التي نتكلم منها ما يجثم في العقل ، فيقطع عليه الطريق في التدبر ، وما يقر في القلب من الواردات والمواهب النفسية الشيطانية البعيدة عن الصفاء.

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-26-2011   #3
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 3.دراسات في التصوف ، في المعرفة

دراسات في التصوف ، في المعرفة :


غالبا مايفرق المولع بالمفاهيم وكلمة المفهوم بين المنهاج والمنهج و المنهجية.
فالمنهاج كما جاء في الوحي يهتم بالأنسان وموضوعه السلوك الأنساني فهي معرفة مؤصلة
مسنونة متصلة بالسلوك النبوي الكامل.
أما المنهج فغايته تفسير ظواهر الكون وهويخص المادة لا غير.
والمنهجية هي أسلوب أو طريقة تفسير الظواهر الكونية بحثا عن قوانينها وأسبابها و ربطها بمسبباتها.
والمعرفة الصوفية ان صح التعبير معرفة دقيقة منظمة من بدء سلوك الفرد الى نهايته وهو المعرفة الحقة بالله تعالى ، وهي الثمرة المرجوة من هذا العلم.
وعليه فكل من يعتقدأو يرى أن هذا العلم يتسم بالفوضى و تضارب الآراء فهمه عليل لا لشيء أنه لم يكتسب الخبرة و الميزان في الحكم على علوم القوم.
ومصطلحاته لا تحتمل وجوها واحدا بل وجوه عدة و ذلك للإختلاف التجربة بين ولي و آخر ، واختلاف الزمان و المكان ، ورتبته وترتيبه في الشجرة النورانية ، ففهوم أمام أهل التصوف الجنيد البغذادي ليست كفهوم ابن عربي الأندلسي رحمه الله ، وفهوم عبد الله ياسين المرابطي المجاهد ليست كفهوم مولانا أحمد التيجاني رضي الله عنه ، ومن لم يضع العلم الشريف في موضعه الشخصي كتعبير لشخصية الفرد ، ثم كاستقبال لحقائق العلوم البرزخية ، لمدهوش حائر في ميزان القوم .لا يفقه ما يقرأ و لن يتقبل ما فيها من تجارب.

هناك مصطلحات تتشابه في المعنى عند أهل الله لكنها في المقصد و الترتيب غير ذالك: العلوم ، الأسرار ، الأنوار، المواهب ، الفتوحات ، الفيوضات، الحقائق ، الدقائق ، التجليات، المشاهدات، المكاشفات، المعارف ، الحضرات، المقامات، المنازل، الواردات.
فهي مرتبطة بالفتح، وحقيقة الفتح ما بزغ من الغيب عند زوال الحجاب بعد أحتجابه ، وانفتح له فيه فهو فتح.
وقد يعتقد البعض ان الفتح هو ما يرد على العقل في مدركه الحسي من الأفكار ، وما للنفس من أحاسيس ولواهج الهمس، وفي الروح من معاني الحب المرتبط بالأحساس المادي ، فالعقل غالبا ما يتجاوز مدركه الحسي العلمي بمجرد ما تتراكم معارفه فيصبح عاجزا عن تفسير ما يراه لقصور منهجه حيال ما يشهده من المتغيرات ، فيتجاوز كل ذالك في قطيعة مستكشفا آفاقا جديدا وفق ما يعرفه من وسائل متاحة جديدة.
من هنا يتكلم أهل هذا العلم عن الصحة و البطلان ، و النسبي والمطلق.
والمعرفة الصوفية أو الفقه الأحساني ليس هذا ، وذاك، بل هو سلوك نسبي بشري يتسم بالأجتهاد لكنه لايرى كل شيء في نسبية ضئيلة بل هناك مطلق: الأيمان بالله وملائكته ورسله و اليوم الآخر و القدر خيره وشره ، واليمان بكتب الله وما فيها من خير و بركة لايتغير ، والأعتقاد في الجناب المحمدي لا يعرف التبديل و التغيير ، ووجود السند التربوي و العلمي ، وأجتماعه في أهل الكمال ضرورة. وأن المربي يعالج ما يطرئ على السالك بالأذكار الشرعية أمر لا جدال فيه.
ثم يلي بعد الفتح الفيض ، ومعناه أن العلوم تفيض في قلب العبد بعد زوال الرسوم عن مدركاته ، وهو شامل لجميع العلوم و الأسرار.
لكن لا يمكن تسمية ما يرد على العقول من الأشراقات الفلسفية أو ما يكون حدسا و تخمينا فيض.
بل نضع كل شيء بحسب الخطاب الذي يبلغه أهل الله لنا فالفيض نور يقذفه الله في القلب لترد عليه فيميز ما بين الفيض المرتبط بالنفس ومخيلاتها و العقل و نتائجه التخمينية وهذا يتساوى فيه الخلق جميعا.
والسر ما يقذفه الله في قلب العبد من الفهوم ، فيعرف العبد ما يريده الله من تصاريف الأكوان، ولماذا وجد الكون جوهرا عرضا؟ ، وما يراد منه؟ ، ومن أي حضرة هو ؟.
ومن الأسرار ما يريح العبد عن كليته و يخرجه من دائرة حسه ، و يغرقه في بحر حضرة الألوهية ، فيسمع هناك و يشهد ما لا طاقة للعقول في أدراكه و فهم غايته.
وبذالك السر الذي اغرقه يدرك غايته ، شهودا و سمعا وأدراكا وذوقا ، وهذا من أعز الأسرار التي تفاض على العبد ، ومن الأسرار ما لايمكن تصوره و توهمه ، فضلا من أن تصل عليها العبارة أليه.
والمعرفة ارتفاع الحجب عن غيوب حقائق الصفات و السماء ، لأن المعرفة مع الفتح متلازمان متغايران ، لأن حقيقة الفتح ارتفاع الحجب الحائلة بين العبد و بين مطالعة حقائق الصفات و السماء ، ومحق صور الأكوان عن علم العبد و أدراكه و حسه و فهمه و تعلقه ، حتى لا يبقى للغيرية و الغير وجود، كما يقول أهل الله : ( الا وجود الحق بالحق للحق في الحق عن الحق.).
1. في حقيقة المعرفة :
تبرز المعرفة العيانية و يفيض على العبد بحر اليقين الكلي مع الصحو و البقاء ، واما ما كان قبل ذلك من مشاهد غيوب الأكوان و ظهورها للعبد فانه يسمى كشفا و لا يسمى فتحا و معرفة.

قد تكو ن المعرفة مفهوما سلبيا بالنسبة لم يقرا التصوف من باب المتعة الفكرية ، فيراه متجددا في التعاريف و المصطلحات ، وثريا في المواهب المتدفقة.
فيراها في تسلسلها التاريخي تطورا وثراثا يستحق التقدير ، لكن عند أهل الله هذه المعرفة هي عين الجهل بأعتبارها قاطعا من قواطع الطريق لسببين:
أ.ان التصوف حقا تصور و مصطلح تاريخي بالأساس ، وعليه فكل جدال حول اصوله في الكتاب و السنة مضيعة للوقت و تنكب في التفكير ، ففي كتاب الله نجد مصطلحا أعم و أشمل و أجمل وهو الربانية في انتسابها الى الله و الأتباع في دائرة ربانية النموذج النبوي الأكمل صلى الله عليه وسلم.
ونتيجة لهذا فكل من يرد على القوم من باب الفكر و الترف الفكري محروم من أنوار الفيض المحمدي.
ب. ان التصوف سلوك ، والسلوك يتطلب قبل كل شيء أسلاس للقياد و تسليم للنبع و وضوح في التصور و العلم أمام العمل.
وكل علم يطلب للفقه و التدبر العمل و غير هذا مجرد تاثر بميزة اهل الله و هو الجذب منها ما يكون عقليا ومنها روحيا.
وشتان بين الأمرين.
2.في نقد المعرفة بمفهومها السلبي :
3.في السلوك الطرقي و السلوك المحمدي:
وهنا نقف على أمر مهم ، قد لا يتقبله البعض لقدسية ما يقرأ ، هل نحن مطالبون بأتباع نفس الأساليب المفرطة في الزهادة ، وكسر النفس و شهوتها ، وفي ترك المباحات و المندوحات و الأريحيات بدعوى الزهد و التجافي عن دار الغرور.
نقرا في الروايات التربوية عن ولي رضي الله عنهم جميعا نظر خطا لفتاة في سطحها ، فمعاقبة لنفسه الأمارة بالسوء فقأ أحدى عينيه؟.
فهل أن نظرت في زماني خطأ أو عن غير خطأ الى المنكر الذي يحيط بي أنا توجه نظري أفقأ عيناي ؟.
الرواية صحيحة لا أشك فيها ، لكن الأحرى أن نضع سؤالا آخر : ما هو السلوك النبوي الأمثل اليس الأستغفار في سحر الليل عوض فقد البصر؟.
أمر آخر غالبا ما يتوارث الأحفاد عن الأجداد اساليب تسيير الزوايا و المحاضن التربوية ، فأن جاء من يجدد في التسيير و يضع اسسا نبوية حقة تجديدية للتربية و التسليك في زماننا و صف بالتبديع وكأن الطريقة حق مقدس.
السؤال الملح أحيانا : من احق بالأتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أم اساليب الطريقة وأن كان زماننا زمن الأذن العام في التربية لأنقراض زمن الخلوة بل نهايتها أن صح التعبير. فكيف نجدد التصوف باسهل الطرق ؟.
للموضوع بقية و في القدر الكفاية ، فما كان من الصواب فمن الله ، وما كان خطأ فمن نفسي.
نسأل الله العافية آمين

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-26-2011   #4
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 4.دراسات في التصوف ، في الغوث الجامع

دراسات في التصوف ، الغوث الجامع:


الغوث الجامع(1.التاصيل)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين
اشاطرك الرأي ياأخي خليل يستحيل أن نوحد الناس على مشرب نوراني واحد.و الأختلاف عند الله ومنه رحمة للعباد.
رغم أن مطلب التوحيد مقصد ضروري للأمة على على عدة مستويات.
موضوعي حول الغوث سأبداه بادئ ذي بدئ من التأصيل .
اي نستفسر الكتاب و السنة عن هذا المصطلح التربوي النوراني .فأن لم نجده فلنبحث في كلام الصحابة و التابعين .
فأن لم نجده فعلينا بكتب القوم.
ثم سنتحدث عن سند التربية النبوية.
ثم نغوص في مراتب الصالحين بحسب كشفهم وماجاءنا عنهم في كتبهم.
خصوصا عند الأمام القشيري .أبي سراج الطوسي .ابي عبد الله بم محمد بن علي الترمذي المشهور بالحكيم الترمذي.احمد ابن عجيبة الحسني.ابن سودكين .الأمام محيي الدين العربي.وعبد الكريم الجيلي.نستأنس بابن القيم الجوزية.سيدي عبد العزيز الدباغ.محمد عبد الكبير الكتاني....وغيرهم
نسأل الله التوفيق و به نستعين.
1.التأصيل
لاتكاد تجد كلمة الغوث في كتاب الله و لافي سنة رسول الله الا في كتب القوم .فالقرآن يتحدث عن عدة مراتب المؤمنين.صفوة الخلق"المسلمين.المؤمنين .المحسنين.الصالحين.المجاهدين.الشهداء .المقربين.الأولياء.اولو العلم.الراسخين في العلم.الصديقين.أصحاب اليمين.الملائكة.الأنبياء والرسل عليهم السلام.".نقرأفي كتاب الله هذه الأيات ...
1.قوله تعالى"ان الله لمع المحسنين"."اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين وحسن اولئك رفيقا".
2.قوله جل جلاله'شهد الله أنه لااله ألا هو و الملائكة و اولو العلم قائما بالقسط"."الا ان أولياء الله لاخوف عليهم و لاهم يحزنون الذين آمنوا وكانو يتقون".
3.قوله جل جلاله" الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الا تخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون".قوله تعالى :"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم"، قوله تعالى:"والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا".
4.قوله جل جلاله" ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله اموات بل احياء عند ربهم يرزقون".قوله تعالى :"فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة و كلا وعد الله بالحسنى".
وفي الحديث النبوي تجد حديثا نبويا مشهورا سماه السيوطي و ابن تيمية و غيره بحديث الولي .جاء به الأمام البخاري في صحيحه و الأمام مسلم في صحيحه .عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله فيما يرويه جل جلاله "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب .وماتقرب الي عبدي بأحب ماافترضته عليه.ولايزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه.فأذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش ورجله الذي يمشي بها .ولن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه .وماترددت عن فعل شيء أنا فاعله ترددي عن قبض عبد مؤمن يكره الموت وأناأكره مساآته ولكن لابد له منه".
ثم نقرأ أحاديث كثيرة عن أقوام يحبهم رسول الله صلى الله عليه و سلم منها
1.قوله صلى الله عليه وسلم:" واشوقاه لأخواني "،قالوا:" أولسنا أخوانك يارسول الله "، قال: " بلى بل أنتم أصحابي وأخواني ياتون من بعدي يومنون بي وهم لم يروني".
2.قوله صلى الله عليه وسلم أشارة الى خير القرون:"خير القرون قرني ثم الذي يليه ثم الذي يليه و الآخرون أراذل".الحديث في كتاب الفتن لصحيح البخاري.
3.تحديد بعض البلدان يكثر فيها الصالحون .روى البزار و الدارقطني و الأمام مسلم قوله صلى الله عليه وسلم"ولن تزال طائفة من أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى قيام الساعة".وقوله صلى الله عليه وسلم أشارة لأهل الشام:"ولن تزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق حتى قيام الساعة"،قالوا :"اين يارسول الله؟ "قال صلى الله عليه وسلم "ببيت أهل المقدس و أطراف بيت المقدس".
4.مقام الصالحين من أمته في زمن الفتنة روى الأمام أبو داوود قوله صلى الله عليه وسلم: " لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر وسياتي زمان لن تأمروا بالمعروف ولن تنهوا عن المنكر.القائمون يومئذ بالكتاب و السنة كالسابقين الأ ولين من المهاجرين والأنصار عمل أحدهم كعمل خمسين منكم "،قالوا :"اومنهم يارسول الله ؟"،قال: "بلى بل منكم".
5.بشارة لأهل المغرب بالتمكين و الفتح في آخر الزمان.روى الأمام مسلم عن نافع ابن عقبة ان أقواما جاءوا من أقصى المغرب فقام الصحابة يذوذون عن النبي صلى الله عليه وسلم .فبادرهم النبي صلى الله عليه وسلم مبشرا أياهم و الصحابة: "تغزون العرب فيفتحها الله.تغزون الروم فيفتحها الله .تغزون فارس فيفتحها الله.تغزون الدجال فيفتحها الله".والحديث في الكتاب 16من صحيح مسلم كتاب الملاحم و الفتن .والحديث يشرحه الأمام القرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الموتى و الأخرة.
6.حديث المحدثين قوله صلى الله عليه وسلم :"سيكون من بعدي محدثين و ان عمر لمنهم"
7.نجد حديثا آخر رواه الأمام احمد قوله صلى الله عليه وسلم:"يغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من صحب من صحب صحب رسول الله؟ فياتي اقوام فيفتح لهم."و الحديث له رواية اخرى عن الصحابي ابي سعيد الخدري رضي الله عنه.
بعد كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.نجد عدة الاصطلاحات عند اهل الله بمختلف طوائفهم .فعند الفقهاء نقرا"حجة .ثقة.فقيه .عالم .جهبد.أمير المؤمنين في الحديث صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري.نجد الفقهاء يثنون عن اهل الله السالكين كشهادة ابن تيمية رضي الله عنه في سيدي عبد القادر الجيلاني "العارف القدوة"، وثناؤه في الجنيد"امام الطائفة.".
وكيف استحسن الأمام احمد ماعليه الأمام المحاسبي من الحال و الوجد والذكر في القصة المشهورة .والتي استنكرها سجين طنجة في كتابه رسالة الأسلام الى مرشد جماعة العدل و الأحسان السيد الفزازي فقال "انزه الأمام أحمد ان يقع في مثل هذه الترهات".وصب وابل كلامه في اهل الله .
ثم نجد ان أول من كتب في مقامات الصالحين في القرن الثالث الهجري "كتاب ختم الأولياء"للترمذي.ثم ابي سراج الطوسي في كتابه" اللمع في علوم التصوف."يليه كتاب الرسالة القشيرية."ثم عبد الكريم الجيلي في كتابه الأنسان الكامل في معرفة الأوائل و الأواخر."وأخيرا نقف مع من لمح للغوث في رسالة غامضة سماها فريد عصره مولانا محيي الدين ابن عربي عنقاء المغرب وطلوع شمس المغرب" بضم الميم.كتبت برمزية يستحيل فهمها ناهيك عن كتابه فصوص الحكم.
ثم مارواه ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ .وسيدنا احمد ابن عجيبة الحسني في كتابه"معراج التشوف في حقائق أهل التصوف"و تفصيلا آخر لأبن عياد في كتابه"المفاخر العلية في مآثر الشاذلية".
فطبقات الصالحين بحسب كشفهم لما يلي
1.عند سيدنا عبد العزيز الدباغ "الغوث.القطب.الأوتاد.الأبدال.النقباء.النجباء.ا لأول ياء .الصالحين."
2.عند سيدنا محمد عبد الكبير الكتاني في صلاته المسماة بفتوح الجوارح"الغوث.القطب.الأوتاد.الأبدال.النقباء.النجبا ء.الأول ياء .الأختام.اهل الدوائر.أهل الجذب.صبيان الحضرة.الصالحين.المؤمنين.ثم عامة المسلمين."
3.الترمذي في كتابه يتحدث فقط عن ختم الأولياء من هو ويطرح أسئلته التي تفوق المئة عن الختم.
4.سيدنا محيى الدين ابن العربي عن الغوث و الخليفة ثم عن سائر ماذكرناه.
الغوث الجامع(التأصيل )2

نقف مع فارس الأسلام سيدنا ابن تيمية رضي الله عنه الفقيه الفريد في زمانه اجتهادا وعلما في اواسط عمره المتبتل المنقطع الى الله كرها و ابتلاءا في سجن القلعة في كتابه المانع الجامع (الفرقان بين أولياء الرحمن و أولياء الشيطان)ليصف أولياء الله بمايلي:

1.اولياء الله هم المتقون على خطى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.يشترط فيهم الأيمان به والأقتداء به و الأستقامة على سنته و شريعته.
2.كما لله أولياء فالشيطان له أولياءه من الجن و الشياطين.وهم على عدة ملل من نصارى و يهود ومجوس و الملل الخاسرة ومن الكهنة وغيرهم.
3.الفتح الشيطاني له أساليبه و أنواعه.كما الفتح الرباني له شروطه و احكامه ومزالقه.
4.ينفي عن الأولياء العصمة.ويقرر قد يجهل الولي بعض بأحكام الشريعة وليس قادحا في ولايته.
5.يبين مراتب الخلق (فأفضل الخلق سيدنا محمه صلى الله عليه وسلم.يليه جميع الأنبياء و الرسل عليهم الصلاة و السلام .أفضل الأنبياء أولو العزم من الرسل عليهم الصلاة و السلام وخيرهم خاتم الأنبياء و المرسلين .بعد الأنبياء جبريل عليهم السلام وغيره من الملائكة المقربين.ثم الخلفاء المهديين الأربعة وخيرهم سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضي الله عنه.ثم العشرة المبشرين بالجنة ثم من حضر البيعة تحت الشجرة وكلهم في الجنة ثم من حضر بدرا ثم أحدا و سائر المغازي ثم من حضر الفتح ثم من بعد الفتح
ومن راى سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وسيد الشهداء حمزة وسيد شباب أهل الجنة سيدناالحسن والحسين).
5.يثني على الصالحين من هذه الأمة من مختلف المشارب و المدارس من السالكين كالجنيد و المحاسبي و الجيلاني .وسفيان ابن عيينة و سفيان الثوري و الحسن البصري و ابراهيم ابن أدهم ومالك ابن دينار وغيرهم.
7.ذكر النساءالكاملات وهن أربع كما جاء في الحديث النبوي امرأة فرعون.ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد و فاطمة الزهراء رضي الله عنهم اجمعين.
هذا الرجل الذي فتح الله عليه في سجن القلعة الخلوة التي أرته ما لله من العطاء و الجود على أحبابه يقول يصف في أحدى رسائله لتلميذه النجيب الأغر سيدنا ابن القيم الجوزية(ولقد فتح الله علينا بما لم يكن بالحسبان ورايت من المقاعد والمشاهد و المراتب ما لم يكن بالبال...حتى علمنا انه الحق).وكان له الفضل الكبير العظيم في تاصيل علم التزكية والوحيد الذي اتبع وصية شيخه في علم القلوب و الرقائق.فتجد تلك الأشارات في كتبه عن التزكية والسير الى الله و أن شات فاقرأ (طريق الهجرتين.روضة المحبين ونزهة المشتاقين.حادي الأرواح الى بلاد الأفراح.الداء و الدواء.الوابل الصيب في الكلم الطيب.والكتاب الخضم مدارج السالكين في منازل اياك نعبد واياك نستعين.).هذا الكتاب أقال فيه اسماعيل الهروي من عثراثه واضعا المنهج السليم في التعامل مع النصوص بصدر رحب .
وتسالني يا اخي لم جئت بفارس الأسلام مستشهدا وقد شذ في فتاويه في تحريمه لزيارة الروضة الشريفة صلى الله عليه وسلم و في التوسل وفي قدحه لأهل الله؟
يااخي من الأنصاف ان لانبخس الناس اشيائهم.وكانوا رحمة الله رغم اختلافهم يكنون المحبة و الود و الأحترام فعلماء الباطن كانوا يقصدون الفقهاء .والفقهاء يقصدون اهل التزكية.فاقرأ رحلة الغزالي و رحلة الشوكاني و الشاطبي في البحث عن الخبير و الهاد والدال على الله .وتبرك الشافعي بقميص الأمام أحمد أبان محنته في مسألة خلق القرآن .ثم حفظ أهل الله عن علومهم بعد أن كثرت الفتنة وماجت و انفرط عقد الأمة ابتداءا من الحكم بما انزل الله ثم عن التربيه ثم التعليم.
فأنكب علماء الفقه على أصولهم .وأهل الله على اسرارهم.و المحدثين في مصطلحاتهم وذوذهم وحفظهم للحديث النبوي الشريف من الضياع.فا نفرطت كل العرى ألى أن أصبنا في ديننا و أخلاقنا حتى صرنا كغثاء السيل كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

وجدت عدة نصوص تاصل لكلمة الغوث.لكن ليست كلمة قرآنية.فلا تجدها الا عند اهل الطريق.وقد اعتاد الناس من أهل العلوم الأسلامية ان يدققوا في المصطلحات- فما هي الا بدعة من بدع الأهواء-لا يسع العقل الوهابي استساغتها.و الغوث والقطب و الأبدال و الأوتاد مقامات أكدتها لنا مختلف المشارب التربوية فكيف لي أن أقر أنها بدعة من بدع الهوى.

اتركم مع كم هائل من النصوص تدقق في مراتب الأولياءو الأصفياء أخص بالذكر سيدي عبد الكريم الجيلي في كتابه الأنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر.ونصوص تاريخية وجدتها في كتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذي .وكتب مولانا أحمد ابن عجيبة الحسني.نستهل الحديث من أول نص تاريخي لسيدنا عبد الكريم الجيلي في كتابه الأنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر ص 206:-اعلم ان هذا الباب عمدة ابواب الكتاب بل جميع الكتاب من اوله الى آخره شرح لهذا الباب .فافهم معنى هذا الخطاب .ثم ان افراد النوع الأنساني كل واحد منهم نسخة للآخر بكماله لايفقد في أحد منهم مم في الآخرشيء الا بحسب العارض.كمن تقطع يداه ورجلاه او يخلق أعمى لما عرض له في بطن امه .ومتى لم يحصل العارض فهم كمرآتين متقابلتين يوجد في كل واحدة منها ما يوجد في الأخرى .ولكن منهم من تكون الأشياء فيها القوة ومنهم من تكون فيه بالفعل وهم الكمل من الأنبياء و الأولياء............ولم يتعين احد منهم بما تعين به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الوجود من الكمال الذي قطع له بانفراده فيه شهدت له بذلك اخلاقه و احواله وافعاله و بعض اقواله فهو الأنسان الكامل و الباقون من الأنبياء و الأولياء و الكمل صلوات الله عليهم وسلامه عليهم ملحقون به لحوق الكامل بالأكمل .....).
ثم يحدثنا عن منزلة القطب قائلا في ص 208 من نفس الكتاب (اعلم حفطك الله أن الأنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله الى آخره ، وهو واحد منذ كان الوجود الى آبد الآبدين ، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس،فيسمى به باعتبار لباس،و لايسمى به باعتبارلباس آخر،فاسمه الأصل الذي هو محمد،وكنيته ابي القاسم،ووصفه عبد الله،ولقبه شمس الدين،ثم له باعتبار آخر ملابس أخرى أسام،وله في كل زمانه اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم و هو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين اسماعيل الجبرتي ،ولست أعلم انه النبي صلى الله عليه وسلم ،وكنت أعلم أنه الشيخ ،وهذا جملة من المشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة 796ه ، وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة،فالأديب اذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فانه يسميه باسمه، واذا رآه في صورة من الصور وعلم انه محمد ،فلا يسميه الا باسم تلك الصورة،ثم لايوقع ذلك الاسم الا على الحقيقة المحمدية.الا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه قال الشبلي لتلميذه: أشهد أني رسول الله،وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه فقال: أشهد أنك لرسول الله، وهذا أمر غير وهو كما يرى النائم فلانا في صورة فلان ، واقل مراتب الكشف ان يسوغ به في اليقظة مايسوغ به في النوم ، لكن بين النوم والكشف فرق ، وهو ان الصورة التي يرى فيها محمد صلى الله عليه وسلم لا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية،لأن عالم المثال يقع فيه التعبير فيعبر عن الحقيقة المحمدية الى حقيقة تلك الصورة التي في اليقظة. بخلاف الكشف فانه اذا كشف لك عن الحقيقة المحمدية انها متجلية في صورة من صور الأدميين فيلزمك ايقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ويجب عليك ان تتأدب مع صاحب الصورة كتأدبك مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . لما أعطاك الله الكشف ان محمدا صلى الله عليه وسلم متصور بتلك الصورة فلا يجوز لك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم ان تعاملها بما كنت تعاملها من قبل . ثم اياك ان تتوهم من قولي شيئا من مذهب التناسخ بل ان رسول الله له من التمكين في التصور باي صورة ..وقد جرت سنته صلى الله عليه و سلم انه لايزال يتصور في كل زمان بصورة اكملهم ليعلي من شأنهم ويقيم ميلانهم فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم.انتهىبتصرف..
اردت ان أبدا بهذا النص لعدة أسباب
1.ان الشيخ الكامل المكمل صاحب الأذن من الحضرتين الربانية و النبوية ليس الا امتدادا لمشكاة النبوة.و ان كماله من كماله صلى الله عليه وسلم.وهذا ما اصطلح السلف عليه بلفظ الوراثة النبوية و راثة العلم.والعلم وحده لايكفي لبلوغ المقام النبوي في الحال و الصفة و الاسم و الفعل و النسبة .بل يحتاج للجمع بين الأمرين النسب التربوي و العلمي.مايصطلح عليه بسند الحديث و سند التربية.
2.غالبا مايسقط المريد في تقديس شيخه واحيانا المغالاة في انتماؤه متناسيا ان الشيخ عبارة عن مربي وواسطة بينه وبين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.واحيانا يبخس الناس مراتبهم.ومقامهم بدعوى انه في صحبة الولي الكامل فينهش من هم في مدد نوراني آخر فيسقط في شرك السلب النوراني.كنت مع احد المريدين نتحاكى بعض الرؤى الخاصة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.فضحك فقال لي :يا اخي مادمت بعيدا عن صحبة الشيخ فان ماتشاهده مجرد استدراج؟.فنحن خاصة اهل الله والباقون مراتبهم من دوننا .نحن أصحاب الوقت. وعليك ان تتوسل ان رغبت في صحبتنا.فشيخنا هو صاحب الزمان منذ عهد سيدنا عمر ابن عبد العزيز الى زماننا هذا ونحن من نجلس في الديوان ونحن اصحابه ."وبدأيقول مالم يكن ببالي فاستغربت.
لذلك من مطلب الوقت ان نكون في امرة شيخ كامل مكمل يجمع سائر الطوائف.لكن الأمر كما قلت غير وارد .لأن الفرد الجامع لانعرفه.فكيف نصحبه مع كثرة المدعين لهذا المقام في زماننا هذا.ولاستحالة الجمع لحب كل فتاة معجبة بأبيها و حب الزعامة و ادعاء كل مرب انه غوث.وتعصب كل مريد لشيخه.؟.
الأمر الثاني الذي جعلني أستهل الحديث بذكر النص الفريد لسيدنا عبد الكريم الجيلي ،اعتبار كل ماسنذكره من مقامات الصالحين لأهل الله أنهم الورثة في الظاهر لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في الباطن حقيقتهم ولله ما اشار اليه مولانا عبد السلام ابن مشيش في صلاته...(واجعل الحجاب الأعظم حياةروحي و روحه سر حقيقتي و حقيقته جامع عوالمي بتحقيق الحق الأول).وهل نحن ان وجدنا الغوث في زماننا هل تكون ارواحنا تستمد نورها منه?لا يشك أحد ان من صاحب الغوث فقد صاحب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.كيف و قد فقد روى سيدنا مولانا البخاري رضي الله عنه في صحيحه عن ابي قتادة انه قال قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم(من رآني فقد رأى الحق).فأن كان استمدادنا التربوي الروحي منه فأن الله جل جلاله قد فتح لنا باب الصحبة النبوية لكل زمان.فقد تجلت سائر أسماءه فيه صلى الله عليه وسلم.
و سأرتب النصوص التي وجدتها بالترتيب
1.من كتاب الأبريز لسيدي عبد العزيز الدباغ.
2.كتاب مرآة المحاسن للشيج محمد ابي المحاسن دفين القصر الكبير.
3.الفتوحات المكية لمحيي الدين العربي.
4.نص ينسب لنجم الدين الكبرى احد اهل الله بفارس.
5.كتاب خاتم الأولياء للحكيم الترمذي.
6.نصوص متفرقة للقرطبي.و ابي حامد الغزالي.
7.نص فريد لسيدنا احمد ابن عجيبة الحسني.
ثم بعض الأيضاحات تنسب لمولانا أبي الحسن الشاذلي.
يعتبر كتاب الأبريز أول كتاب حسب علمي بالمغرب الأقصى تحدث عن ديوان الصالحين.وعن ماهية الغوث .و عن القطب و الأبدال والأوتاد و الصالحين و الجن الكمل أو الروحانيين الكمل و أصحاب النوبة و صبيان الحضرة.و عن مراتب الكشف و المشاهدة و أسرار الحروف العربية و عن الظلام الساكن في الذوات و الأ نوار المتجلية في القوم.و عن علو م جمة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.هذا الكتاب الفريد في التصوف كان صدمة لكثير من الخلق.بل لم أكن أعرف أن في بلدنا الحبيب علم لدني في أوج قمته فكنت قد اعتدت القراءة للمشارقة امثال المحاسبي و الأمام الغزالي و القشيري.حتى قرأت لأحمد ابن المبارك و ترجمته لسيدي عبد العزيز الدباغ.ثم انتقلت بوجود ما يذكر بتجربة بعد الأصحاب ثم يقين ذاتي بعد مرور عدة سنوات.الأمر موجود .أمر يسدده الكشف ثم التجارب الكثيرة لأقوام أعرفهم.نترك الوهابية و السلفية الحرفية القزمية في وهمها فقد سقطت في شرك السلب.فكيف ننكر ما اثبثه الكشف لمئات من السالكين منذ قرون؟

لاشك أن العقل بمختلف مشاربه عاجز عن معرفة ماهية علوم القوم لأمر بسيط عجزه عن بيان نسبيته الضئيلة امام مايسمى بالحقيقة المحمدية التي تتجلى في مختلف الصور .
الغوث الجامع5(من خلال كتاب الأبريز لبحر العرفان احمد ابن المبارك)
يقول سيدنا احمد ابن مبارك راويا عن شيخه مولانا عبد العزيز الدباغ سمعت الشيخ يقول:"....الديوان يكون بغار حراء الذي كان يتحنث فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة،فيجلس الغوث خارج الغار.مكة خلف كتفه اليمن .والمدينة امام ركبته اليسرى.وأربعة أقطاب عن يمينه،وهم مالكية على مذهب الأمام مالك ابن أنس رضي الله عنه.وثلاث اقطاب عن عن يساره واحد من كل مذهب من المذاهب الثلاثة،والوكيل امامه ويسمى قاضي الديوان....ومع الوكيل يتكلم الغوث ولذلك سمي وكيلا لأنه ينوب في الكلام عن جميع من في الديوان...والتصرف للأقطاب السبعة على أمر الغوث .وكل واحد من الأقطاب السبعة تحته عدد مخصوص يتصرف فيه .و الصفوف الستة من وراء الوكيل .وتكون دائرتها من القطب الرابع الذي على يسار من الأقطاب الثلاثة.فالأقطاب السبعة هم أطراف الدائرة وهذا هو الصف الأول وخلفه الصف الثاني على صفته وعلى دائرته وهكذا الثالث الى أن يكون السادس آخرها...ص287-288.....وفي بعض الأحيان يحضره النبي صلى الله عليه وسلم ...فاذا حضر عليه الصلاة و السلام جلس موضع الغوث وجلس الغوث موضع الوكيل وتاخر الوكيل للصف وأذا جاء النبي صلى الله عليه و سلم جاءت معه الأنوار التي لاتطاق.وأنما هي أنوارمحرقة مفزعة قاتلة لحينها وهي أنوار المهابة و الجلالة و العظمة......وكلامه مع الغوث وكذلك الغوث اذا غاب النبي صلى الله عليه وسلم تكون له أنوار خارقة حتى لايستطيع أهل الديوان أن يقربوا منه بل يجلسون عن بعد.فالأمر الذي ينزل من عند الله تعالى لاتطيقه ذات الا ذات النبي صلى الله عليه وسلم واذا خرج من عنده صلى الله عليه وسلم لاتطيقه الا ذات الغوث....ان لغة اهل الديوان هي السريانية لاختصارها و جمعها المعاني ولأن الديوان يحضره الملائكة و الأرواح والسريانية هي لغتهم و لايتكلمون العربية الا اذا حضر النبي صلى الله عليه وسلم....ص294-293-292)بتصرف.
(........وقد يحضر سيد الوجود في غيبة الغوث فيحصل لأهل الديوان من الخوف و الجزع من حيث أنهم يجهلون العاقبة في حضوره صلى الله عليه وسلم ما يخرجهم عن حواسهم حتى انه لو طال ذلك أياما لانهدمت العوالم.واذا حضر سيد الوجود صلى الله عليه وسلم يحضر معه سيدنا أبو بكرو عمر و عثمان وعلي و الحسن و الحسين و أمهما فاطمة عليها السلام )ص296-297 بتصرف.
الكتاب كله مليئ بالمعارف اللدنية .من اراد فليعد للكتاب ففيه يجد ضالته.لكن النص التاريخي الذي تركه لنا تلميذ عبد العزيز الدباغ احمد ابن المبارك لايحيلك الا لأمر مهم.هل نحن حقا نعرف من هو سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم?لا تجد صفحة أو كلمة الا وتزيدك حيرة.ولكل ولي و ختم و غوث فهم خاص و ذوق خاص واتباع خاص لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.



الغوث الجامع(التأصيل)6
ماجاء في كتاب الأبريز امور متعلقة بالكشف .وليس سيدنا و مولانا عبد العزيز الدباغ من تكلم وترك شهادته خالدة على مر التاريخ.الأدهى و الأمر أن السيد المشار اليه امي لم يقرا و لم يكتب ولم نجد ترجمة تذكر تتلمذه على احد العلماء الورقيين في زمانه.



أجمع غالبية اهل الله على عدم مبادهة العامة بالمعارف اللدنية.
لكن في زماننا هذا وبشهادة الكثير من الناس لاينجذ بون الا لنوعين من المعارف الدينية و أولها التصوف عند أهله و كما اصطلحوا عليه بتسميته و علم الحديث النبوي للأنه الطريق الأسهل عند البعض لصحبته صلى الله عليه و سلم.
نجلس سيدي مع سيدنا ابن تيمية قدس الله سره في كتابه الجميل الفرقان بين اولياء الرحمن و اولياء الشيطان نسبر فهم الرجل للكرامات و هو الرجل الذي اختلى كرها في سجن القلعة ومات بها بعد ان اكرمه الله بالمنازل و المقاعد التي لم تكن بباله فاولياء الله المتقون هم المقتدون بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.....ولهم من الكرامات التي يكرم بها الله اولياءه المتقين وخيار أولياء الله كرامتهم الحجة في الدين او الحاجة للمسلمين ،كما كانت معجزات النبي صلى الله عليه و سلم.
وكرامات الأولياء الله انما حصلت ببركة اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهي في الحقيقة تدخل في معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مثل انشقاق القمر ،وتسبيح الحصا في كفه ،واتيان الشجر اليه،وحنين الجذع اليه،وأخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس.....وكرامات الصحابة و التابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة ،مثل ماكان أسيد ابن خضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقرائته.وكانت الملائكة تسلم على عمران ابن حصين.وكان ابو الدرداء و سليمان الفارسي يأكلان في صفحة فسبحت الصفحة أو سبح مافيها.....وخالد ابن الوليد حاصر حصنا منيعا فقالوا لانسلم حتى تشرب السم فشربه ولم يضره.....والعلاء ابن الحضرمي كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين و كان يقول في دعائه ياعليم ياحليم ياعلي يا عظيم فيستجاب له ودعا الله بأن يسقوا و يتوضئوا لما عدموا الماء و الأسقاء لما بعدهم فأجيب....ص65.66.67بتصرف).
فهل يستطيع أحدهم أن ينكر شهادة ابن تيمية من الحرفيين.بالطبع لاأحد.لأن اسم ابن تيمية ضمانة للصدق.
في الكتاب الذي استشهدت به قدح عظيم محمد بن الحكيم الترمذي رضي الله عنه و محيي الدين العربي و ابن السبعين و ابن الفارض و ابن القسي .وفيه توثيق لمقامات الجنيد و عبد القادر الجيلاني و المحاسبي وكذلك تنبيه عن زلات ابي حامد الغزالي .
فهل نمزق كتاب الفرقان لما فيه من الزلات ارتكبها ابن تيمة ام أضعه في سياقه التاريخي و في جانبه لفترة لم يذق فيها ابن تيمية ذوق القوم.؟
لايسع الوهابية ان تعترف لما لأهل الله من الجذب ومالهم من الثأثير على مدى التاريخ على أحداث الأمة.فهم المربون بامتياز لعدد من العلماء و الدعاة الذين تركوا الذكر الحسن .مثل الشهيد حسن البنا رضي الله عنه.هل يوجد من ينكر اثره و هو الصوفي الحصافي .؟
من ينكر جهاد العز ابن عبد السلام و تحديه للظاهر المستبد بيبرس؟و جهاد شيخ و قته الكتاني و بلاءه في النصيحة للملك العلوي مولاي عبد الحفيظ؟
من ينكر جهود الزاوية الصديقية بمدينة طنجة؟من ينكر جهاد الشيخ الصوفي في معركة وادي ابي المخازن في القصر الكبير محمد مرآة ابي المحاسن.
قد جمع القوم بين الأمرين الذوق الروحي في السر فتركوا لنا عالما فسيحا اسمه العلم اللدني و الكشف و تجاربهم الروحية و فعلا في التاريخ.
يقول مولانا ابن العربي في رسائله يذكر ماهية الفتح:
ص218من كتاب رسائل ابن عربي:
1.انت الكون و الله المكون فتح الوجود بك و أنت مفتاح الوجود فأنت عنده ولايعلمك الا الله.
2.اتدري اول باب فتح الله بك باب نفسك فلما ظهرت استكبرت فجوعك فافتقرت.
3.ما اعز طينة آدم حيث نظر الحق اليها و تولاها بيديه فليس العجب من سعادة الأنسان وأنما من شقاوته.
4.لو كانت النفخة واحدة لكان الشقاء يعم الجميع او السعادة وانما كانت نفختان كما كانت قبضتان.
5.انظر فان النفخة الواحدة من النافخ يطفي السراج و تشعل الحشيش الذي فيه النار فلم ذلك للمحل ام النفخة؟
6.الكون كون الحق لا كون الأنسان و الأنسان المفتاح لذلك الكون فهو المفتاح وبه يقع الفتح و عند الفتح تخرج السماء الى الأنسان منهم من يشقى بها و منهم من يسعد.
7.المفاتيح مفتاحان بأسنان و بغير أسنان فيا ليت شعري الأنسان أي مفتاح هو.
8.مفتاح كون الوجود و كون العبادات به ظهر الأزل و هو يفتح باب الأبد.
9.ارم المفتاح ايها النسان و اهرب الى الله يسعدك سعادة الأبد قيل لأبي يزيد اترك نفسك وتعال.
....ص218.1-219بدون تصرف النص الكامل لباب ترجمة الفتح.
وفي ترجمة باب الوهب و هو نص ينبه الى العلو م الوهبية التي يمنحها الله لعباده الصالحين يقول:
1.من طلب الحق وجده ومن طلب منه اعطاه و لم يجده.
2.ماكان للحق لم يدخل في عمل الغير ولو استند اليه:كل شيء هالك الا وجهه)القصص 88.
3.هل يصح لأحد الثناء التام الا بوجود معرفتك للحق او شهودك غير هذا ليس بثناء.
4.البيوت و ان كثرث فهي بيتان بيت للمعرفة و هو النفس وبيت للمشاهدة و هو السر وكل بيت يعرى من هذين عن هذين فهو خراب.
5.المشرك اثبث الحق وزاد الشريك فهو صاحب علم وجهل.
فاذا وقع الكشف ارتفع الجهل وبقي العلم فان العلم لايرتفع فانه وجود حق و الجهل يرتفع لنه صورة وجود وليس بوجود حقيقته عدم.،ص227 بتصرف.
ثم يقول في باب ترجمة الكمال :
- ينبغي للأنسان ان ينظر في روحه كيف توجه الى مدينة جسمه المزخرف ودخله ليعاين ماأودع الله فيه من الحكم و الترتيب الأحسن لأنه في احسن تقويم،فاذا أشرعت في هذا النظر فأمعن فيه ولاتترك زاوية من الأنسان حتى تدخلها وتعرف ما خزنت فانها خزائن الحق فانك تقف على علم عظيم _سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ،فصلت آ53._وفي انفسكم افلا تبصرونى ،الذاريات21.
من عرف نفسه عرف ربه اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه.
تخيل من لايعرف ان الشريعة تخالف الحقيقة وهيهات لمن تخيلوه بل الحقيقة عين الشريعة فان الشريعة جسم و روح فجسمها علم الأحكام وروحها الحقيقة فما ثم الا شرع.
الشريعة وضع موضوع وضعه الحق في عباده فمنه مسموع و غيرمسموع.ولهذا فالأنبياء متبوع و غير متبوع (ولاتكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لايسمعون ،الأنفال21.(كمثل الذي ينعق بما لايسمع)البقرة 171.
ثم يقول رضي الله عنه في منزلة القطب و مقامه و حاله ص250 من كتاب رسائل ابن عربي رضي الله عنه القطب مركز الدائرة و محيطها ومرآة الحق،عليه مدار العالم له رقائق ممتدة الى جميع قلوب الخلائق بالخير و الشر على حد واحد لايترجح واحد على صاحبه وهو عنده لا خيرو لا شر ولكن وجود و يظهر كونها خيرا و شرا في المحل القابل لها بحكم الوضع عند اهل السنة و بالعرض و العقل عند بعض العقلاء .قال جل جلاله (فألهمها فجورها و تقواها)،الشمس 8
...وضعا صحيحا من السر الآلهي ثم ظهرت الجنة والنار وجميع النسبة في الوجود نظير الحضرة الذاتية الالهية.ص251).
القطب الغوث الفرد الجامع واحد.
النجباء أربعون،مشغولون بحمل أثقال الخلق فلا ينظرون الا في حق الغير.واما الأبدال فهم سبعة رجال اهل استقامة وكمال و اعتدال .قد تخلصوا من الوهم والخيال.
ومن خواصهم انه من سافر منهم ترك جسده على صورته وهو على قلب ابراهيم عليه السلام،ولهم امام مقدم عليهم يأخذون عنه و يقتدون به.وهو قطبهم لأنه مقدمهم.ثم الأوتاد وهم عبارة عن أربعة رجال منازلهم منازل الأربعة أركان العالم شرقا وغربا وشرقا وجنوبا.
واما الأمامان فهما شخصان أحدهما عن يمين القطب و الأخر عن شماله فالذي عن يمينه ينظر في الملكوت وهو الأعلى من صاحبه،والذي في يمينه ينظر في الملك.و صاحب اليمين هو الذي يخلف القطب بعد موته.
والغوث وهو أعلاهم مرتبة وأسماهم مرتبة رجل عظيم وسيد كريم يحتاج اليه الناس عند الأضطرار في تبيين ما خفي من العلوم المهمة والأسرار.ويطلب منه الدعاء لأنه مستجاب الدعوة ولو أقسم على الله لأبره.
وكلامه في العقل الأكبر و الروح النور والقلم الأعلى والقدوس الأبهى والأسم الأعظم والكبريت الأحمر والياقوت الأزهر و الأسماء و الحروف والدوائر.وهو المتكلم بنور البصيرة على السرائر.
بعد ان وقفنا مع ابن عربي رضي الله عنه في بعض كلامه.
ننتقل الى نموذج من المغرب مع الشيخ ابي المحاسن دفين القصر الكبير في أمرين.
1.في حثه على عدم مبادهة العامة بكلام القوم.
2.في اعتقاده في كون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ممد الكون في سائر الزمان والمكان بأنواره.و في ان جميع الأرواح تستمد منه انوارها.صلى الله عليه وسلم.
يعتبر كتاب مرآة المحاسن في اخبار الشيخ ابي المحاسن لصاحبه الأمام ابي حامد محمد العربي ابن يوسف الفاسي الفهري 988ه_1052ه من أهم كتب التصوف التي تؤرخ لفترة زمنية في تاريخ المغرب.مرحلة صعود شأو الطريقة الشاذلية في شخص المترجم له.وتتجلى هذه الفترة في انها ثمثل فترة اضطراب سياسي و علمي و اجتماعي ،فترة الانتقال من أوج الازدهار الذي عرفه المغرب في حكم المرينيين الى حضيض الأندحار السياسي ممثلا في وفاة المنصور الذهبي وتولي اسماعيل ابن الشريف (1012ه/1605م-1082ه/1671م).تعاقب حينها على حكم المغرب عدة اسر حاكمة.الشيخ ابي المحاسن عاش في هذه الفترة ويعد من كبار الصوفية في تلك الفترة.وكان معظما لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم و اتسم بالأعتدال فقد كان يحث مريديه على عدم كشف أسرار القوم للعامة قال رضي الله عنه:
(ان العبد اذا صدق واخلص لربه ،فنى عن نفسه،وبقي بربه،وذهبت بشريته ،واضمحلت أنانيته ،فتتجلى له أوصاف معروفة،كرؤية العين،ويكون بسره مع الله بلا أين ،فينازل حضرة قدسه،وموارد انسه ،فيكون الله سبحانه جليسه ،وحديثه انيسه،فأن تكلم فبالله وان صمت فمع الله .فشبحه يتدلى ،وروحه في الملأ الأعلى.
ففي هذه الحالة تجري عليه علوم سنية ،وحقائق شمية،لم تكن له ببال ولم تنسج على المنوال فيختلج في سره،وينطق عن وجده ،فيلهج بها اللسان،وتسطرها البنان من غير قصد و لااختيار.. فمن صدرت منه حقائق على الوجه المذكور والوصف المسطورولا يتعدها من لم يفهمها ،او يبحث في لفظها من لم يعلمها،لأنها بالعناية محفوظة وبالرعاية ملحوظة.فصاحبها ماخوذ عن العالم الأ دنى مترق الى العالم الأسنىمقتبسا من قوله تعالى (فكان قاب قوسين أوادنى )آ9من سورة النجم.
متنسما بروحهفأوحى الى عبده مااوحى)آ10 من سورة النجم.فلا ينطق عن الهوى فيمنح حينئذ وحي الهام لاوحي انشاء و أعلام.فمن وصفها بأنها صدرت عن فهم او استندت الى علم فقد استنقص صاحبها و جهل قدره.)ص236 من نفس الكتاب.
وفي ص251 يقول رضي الله عنهفهو صلى الله عليه وسلم أكسير السعادة فكل سعيد في الكون فسعادته بواسطته صلى الله عليه وسلم وقرب منزلته من مولاه على حسب استمداده منه.فمن حصل له شرب من ذلك.ليس الا بمدد باطن كل حسب مقامه المقدر له ازلا في سابق علمه على ترتيب مشيئته و تخصيصه ،واما من قصر علمه ،ووقف عل حسه اذلانفوذ له لغيره فتضرب له الأمثال.(وتلك الأمثال نضربها للناس)آ43س العنكبوت.فالسر الأحمدي الساري في الوجود والممد لكل موجود كالبحر المحسوس المنبسط على وجه الأرض وامتدت به جداول و أنهار ،وانتشرت في أقاليم الأرض وسائر الأقطار،فكل مدة انبسطت منه حيثما كانت،فهي عينه باعتبار ذاته،وغيره باعتبار تعينه فافهم.
ولك ان تقول:الأنوار الظاهرة على اولياء الله انما هي اشراق انوار النبوءة عليهم.فمثل الحقيقة المحمدية كالشمس و قلوب الأولياء كالأقمار فأنما ظهر نور القمر واضاء لظهور نور الشمس فيه ،ومقابلته اياها.فاذا الشمس مستمرة الوجود مضيئة ليلا نهارا لظهور نور ه في القمر الممد منها،فلا غروب لها في وقت ما.فافهم.
فعلى هذا يجب دوام انوار الأولياء لدوام ظهور أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فهو الظاهر فيهم والباطن فيهم.وان شأت قلت ارواح امته صلى الله عليه وسلم متعلقة بروحه صلى الله عليه وسلم.
فأرواح العلماء و قلوب العارفين وسائر النبيين والمرسلين وعباد الله و الصالحين تتلقى من روحه صلى الله عليه العلم و الحكمة و المعارف الربانية.و الأسرار الملكوتية فكل علم و حكمة نقطة من بحره صلى الله عليه وسلم فكانت حيرته صلى الله عليه وسلم على حسب معرفته وكما يليق بمقامه و علو منزلته وحقيقة ذلك لم يدركها احد بعلمه و بفهمه (و لايحيطون بشيء من علمه الا بما شاء)آ255 س البقرة.الله من ظواهر الأمور دون بواطنها وجليها دون خفيها فالفهوم كلت و العقول وقفت وتضائلت عن ادراك خفي سره صلى الله عليه وسلم و الوقوف على حقيقة امره صلى الله عليه وسلم.
وهم في نيل هذه الأسرار على مراتب :منهم من تنكشف له جملة.ومنهم من تنكشف له تفصيلا و هم الأنبياء و الرسل عليهم السلام.و اعظمهم كشفا و أعلاهم مرتبة و أوسعهم معرفة:سيدنا و مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم.فكانت هذه الأ سرار التوحيدية و الأنوار الغيبية،قبل بعثثه صلى الله عليه وسلم بحرا طامسا و سماءا عابسا فبنوره ظهرت وبسره اشرقت صلى الله عليه وسلم.فجميع الحقائق ارتقت وتجلت في باطنه صلى الله عليه وسلم حتى صارقلبه معدنا لها صلى الله عليه وسلم وباطنه مرساها صلى الله عليه وسلم .فقلبه صلى الله عليه وسلم معدن الحقائق والأسرار وباطنه مهبط العلوم و الأنوار خص بذلك صلى الله عليه وسلم لاتساعه فما وسعه لايسعه غيره.)انتهى ص254.255.256.257.بتصرف.
7.الغوث الجامع (من خلال كتاب ختم الأولياءابي عبد الله الحكيم الترمذي)
يعتبركتاب ابي عبد الله الحكيم الترمذي من الكتب أشد انتقادا من المذهب الوهابي و السلفي.لعدة اعتبارات منها:
1.ورد في النص التاريخي كلمة-ختم الأولياء-فحسب محمد بن الحكيم الترمذي للأنبياء خاتمهم صلى الله عليه وسلم.فالأولياء ختمهم المحمدي بها تختم السلسلة النورانية للأولياء.
2.خوضه في مفهوم النبوة و الولاية بلغة و أشاراة غير مفهومة اعتبرها ابن تيمية و ابن الجوزي رضي الله عنهما كفر.
3.ايمائه لمفهوم وحدة الوجود.
4.كلامه في الكشف و تجربته الذاتية.


فاعتبر ابن تيمية في كتابه الفرقان لهذه الأمور من قبيل الهرطقة والفلسفة والألحاد.وكفر من حينها ابن العربي والحكيم الترمذي وغيرهم ممن علقت بهم الشبهة
يقول ابن تيمية في كتابه الفرقان ص 39يصف خرافة "خاتم الأولياء"قائلاولقد ظن طائفة غالطة أن خاتم الأولياء أفضل الأولياء قابسا على خاتم الأنياء ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين الا محمد ابن عبد الكريم الترمذي فأنه صنف مصنفا غلظ فيه في مواضع..ثم صارت طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء ،ومنهم من يدعي أنه خاتم الأولياء افضل من خاتم الأنبياءمن جهة العلم بالله.وان انبياء الله يستفيدون العلم بالله من جهته كما يزعم ذلك ابن العربي صاحب كتاب الفتوحات المكية و كتاب فصوص الحكم.فخالف الشرع و العقل مع مخالفة جميع انبياء الله و أولياءه،كما يقال لمن قال:فخر عليهم السقف من تحتهم فلا عقل و لاقرآن.)ص39.40.41بتصرف.
ففي ص 47 من نفس الكتاب يقول ابن تيمية رضي الله عنه ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا متناقضين للرسل عليهم الصلاة و السلام ،كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية و الفصوص اشبه ذلك:يمدح الكفار،مثل قوم نوح و هود وفرعون وغيرهم.وينتقص الأنبياء كنوح وابراهيم وموسى وهارون ،وبذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد و سهل ابن عبد الله التستري ،ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه كما ذكر في تجلياته الخيالية الشيطانية.)
لم يستطع العلماء امثال ابن تيمية و ابن الجوزي و حتى الشاطبي و القسطلاني من استساغة علوم اهل التربية و غيرهم . فكيف اذن اين نرجع السبب الجوهري للخلاف؟.
تصادمت العقول ثم الأرادات بعد الفتنة الكبرى والتي انتهت باستشهاد سيدنا علي كرم الله وجهه.فاول خلاف كان حول الحكم و الذي حسم بالسيف.بتنصيب بنو الزرقاء حكاما بالوراثة على المسلمين .ثم بنو العباس .ثم الأتراك العثمانيين.ثم الى زماننا هذا في زمن التجزئة.او الحكم الجبري الذي بشر به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
لكن الخلاف كان أعمقا في فهم الدين .
برزت مدرستين :


وتهتم مدرسة علو م الحديث بعلم السند و الرواية.
بينما يهتم خاصة الأولياء بسند التربية والتي تمتد من سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ثم تفرعت عن آل بيته الكرام عليهم السلام.
جمع آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفضيلتين:القيام ضد حكام الجور،وفي نفس الوقت مدد التزكية.
كان سيدنا علي كرم الله وجه باب وهو القائل"في الصدر علوم جمة،لو وجدت لها حملة".كانوا حملة العلم مر العصور بعد ان تركوا الفضيلة الأولى لما سامهم من الأضطهاد.و أصبحوا أحلاس بيوتهم كماجاء في الحديث النبوي.
سند التربية النبوي جاءنا لمغرب عبر سيد اولياء في زمانه المنصور مولانا الأدريس الأول وبه تفرع البيت النبوي في المغرب.
كبراء الأولياء في المغرب سندهم التربوي يمتد الى سيدنا علي كرم الله وجهه.
أمثال مولانا عبد ابن مشيش،احمد ابن عجيبة الحسني.ابي الحسن الشاذلي،عبد الله ياسين.محمد ابي جعفر الكتاني.ابومدين .محمد الحسني البوزيدي.وغيرهم.
لما تصادمت العقول اختلفت الأرادات.ومن ثم كان الأختلاف في الفعل.فكل له فهمه للدين
فانصب علماء الفقه في ارساء علم الدين و فقهه فحفظت الأحكام وبرزت المذاهب الفقهية .في حين انكب علماء الحديث في سبر سند الروايات فحفظوا لنا السنة النبوية من التدليس و الضياع.
بينما اسس الصوفية علمهم فحفظوا المدد النوراني مايسمونه بعلم السلوك.
كانت الصدمة الأولى عند المسلمين موت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
والثانية حكام الجور.
والثالثة غزو الكفار لبيت المسلمين في عقر دارهم.
ثم كان الصدام بين العقل الكافر الغربي و العقل المسلم.أورثنا مانحن فيه من الفرقة و التشرذم والذل.
1.الأولى يسمونها بالمدرسة العلمية الفقهية (علم الفقه و الأصول .علوم الحديث.علوم القرآن.علم الكلام.فقه اللغة العربية.وغيرها من العلوم المرافقة.)وكانت ه العلوم المؤصلة للدين وآداة لفهمه.وحفظا له من الضياع. 2.العلوم اللدنية أو مااصطلح عليه بعلم المعاملات (التربية والسلوك و الأخلاق والزهد) ثم لاحقا بعلم التصوف. يقول المام الحكيم الترمذي في نص "علم الأولياء وعلم الأنبياء:
(فهذا واشباه هذا هو علم الأنبياء و علم الأولياء.بهذا العلم يطالعون تدبيره،وبهذا العلم يقومون بالعبودية له.لأنه من كشف له الغطاء عن هذا النوع من العلم ،غانما فتح له في الغيب العلى حتى لاحظ ملك الملك،بعد ان قوم ثم هذب ثم ادب ثم نقي ثم ادب ثم طهر ثم طيب ثم وسع ثم عوذ.فتمت له ولاية الله وصلح في المجلس الأعلى من مجالس الأولياء،بين يديه.يناجيه كفاحا،ويلج مجالسه سماحا،ماله من حاجز.فيرجع من عنده مع الفناء الأكبر .فيقوم بالعبودية محارصة.ص327.
ثم يقول يصف مقام الولي قائلا:
واما ولي الله ،فرجل تبث في مرتبته،وافيا بالشروط كما وفى بالصدق في سيره،وبالصبرفي عمل الطاعة،و اضطراره .فأدى الفرائض،وحفظ الحدود،ولزم الرتبة،حتى قوم وهذب ونقى وادب وطهر وطيب ووسع وزكى وشجع و عوذ.فتمت ولاية الله له بهذه الخصال العشرص331....قال قائل صف لنا خصال الولاية العشرالتي تمت له الولاية الله بها :"ص323"
نعم اقامة الله تعالى في المرتبة،على شريطة اللزوم لها،فلما وفر بالشرط،ولم يبغ عملا في محل القربة نقله منها الى عالم الجبروت،ليقوم بجبر نفسه ومنعها بسلطان الجبروت ،حتى ذلت و خشعت.ثم نقلها منها الى ملك السلطان،ليهذب ،فذابت تلك العزة التي في نفسه ،وهي اصل الشهوات ،فصارت بائنة عنها ثم نقله منها الى ملك الجلال ليؤدب.ثم نقله منها الى ملك الجمال ليفنى.ثم الى ملك العظمة ليطهر.ثم الى ملك الهيبة ليزكى ثم الى ملك الرحمة ليوسع.ثم الى ملك البهاء ليربى .ثم الى ملك البهجة ليطيب.ثم الى ملك الفردانية ليفرد.
فاللطف يفرده،والرحمة تجمعه،والمحبة تقربه،والشوق يدنيه.ثم يهمله.ثم يناجيه.ثم يبسط له.ثم ينقبض عنه.فاينما صار فهو في قبضته،وامين من امنائه.فاذا صار في هذا المحل ،فقد انقطعت الصفات،و انقطع الكلام و العبارات ،فهذا منتهى العقول و القلوب.
ثم يقول رضي الله عنه في ص 334:
فرب ولي مقامه في أول ملك،وله من أسمائه ذلك الأسم.ورب ولي مقامه التخطي الى ملك ثان وثالث ورابع.فكلما تخطى الى ملك اعطي ذلكا الأسم.حتى يكون الذي يتخطى جميع ذلك الى ملك الوحدانية و الفردانية.هو الذي يأخذ بجميع حظوظه من هذه الأسماء.وهو محظوظ من ربه .فهو سيد الأولياء ، وله ختم الولاية من ربه . فاذا بلغ المنتهى من اسمائه ، فالى اين يذهب؟ وقد صار الى الباطن الذي انقطعت عنه الصفات!
وفي الفصل الثامن من الكتاب "خاتم الأولياء و خاتم الأنبياء "ص336
....(اعلم ان الله تعالى تبارك اسمه!اصطفى من العباد أنبياء و أولياء.وفضل بعض النبيين على بعض:فمنهم من فضلهم بالخلة،وآخر بالكلام،وآخر بالثناءوهو الزبور،وآخر بأحياء الموتى ،وآخربالعصمة من الذنوب وحياة القلب حتى لآيخطئ ولايهم بخطيئة.و كذلك الأولياءفضل بعضهم على بعض.وخص محمد صلى الله عليه وسلم بما لم يؤت أحد من العالمين.فمن الخصوصية مايعمى عن الخلق ،الا على أهل خاصته منها ماليس لأحد عنه محيص و لامحيد.
ثم يقول في الفصل التاسع من كتابه في ص344:
ثم لما قبض الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم صير في أمته أربعين صد يقا بهم تقوم الأرض وهم من آل بيته فكلما مات احد منهم خلفه من يقوم في مقامه.
حتى أذا انقرض عددهم واتى وقت زوال الدنيا ابتعث الله وليا اصطفاه واجتباه وقربه وآتاه واعطاه مااعطى الأولياء وخصه بخاتم الولاية.فيكون حجة الله يوم القيامة على سائر الأولياء فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولاية.على سبيل ماوجد عند محمد صلى الله عليه وسلم....).
في الكتاب الذي استشهدت به حكم عديدة .وعلوم وهبها الله لمن يشاء من خاصة اولياءه.ايكون ختم الأولياء هو الغوث!أم الوارث الكامل الذي يجدد به الله الدين على رأس كل مئة سنة.!ام الأمام المهدي عليه السلام به سيختم به الله عز ولاية آل البيت وقد ورد انه يخرج من المغرب الأقصى برايات صفر .يمكث بالمغرب عشر سنوات تم 12 سنة بالكوفة ثم 12 بالبصرة .ثم ست سنوات بمكة.ثم يدركه الموت عليهم السلام فجأة ليخرج الدجال لعنه الله.ثم تكون الملاحم.(الأمر مذكور في كتاب التذكرة للقرطبي.).والحديث المذكور ضعيف لا اصل له ن وبعضها في الكتاب ينسب الى النبوة و الله أعلم بصحتها.
في كتاب الترمذي تعظيم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولآل بيته الكرام.
وفيه وصف لمقامات أهل الله.والكتاب به أشارات ليس للعامة فيها نصيب .ناهيك عن غيرهم.
نترك الحكيم الترمذي رضي الله عنه لننتقل الى حد اعلام الولاية مولانا محيي الدين ابن العربي لنعرف مرتبة خاتم ا لأولياء من خلال اجاباته لسئلة الحكيم الترمذي في كتابه الفتوحات المكية.

نجدفي الصلاة الأكبرية المنسوبة الى سيد العرفان محيي ابن العربي (اللهم صل على سيدنا محمد اكمل مخلوقاتك وسيد اهل ارضك وسمواتك ،النور الأعظم والكنز المطلسم،والجوهر الفذ،والسر الممتد،الذي ليس له ميل منطوق ،ولاشبه مخلوق .وارض اللهم عن خليفته في هذا الزمان -من جنس عالم الأنسان-الروح المتجسد و الفرذج المتعدد.حجة الله في الأقضية وعمدة الله في الأمضية ،محل نظر الله من خلقه ،منفذا أحكامه بينهم بصدقه،ممد للعواالم بروحانيتة ،المفيض عليهم من نور من نورانيته.من خلقه الله على صورته و اشهده أرواح ملائكته وخصصه في هذا الزمان ليكون للعالمين امان .فهو قطب دائرة الوجود و محل السمع و الشهود فلا تتحرك ذرة في الكون الا بأذنه و لاتسكن الا بعلمه لأنه مظهر الحق و معدن الصدق.)

لمولانا ابن العربي فهمه الخاص للولاية.تنبثق اساسا من نظرته الى سبب وجود الأنسان.باعتباره أن الله خصه بامر لم يخص بها ابدا سائرا مخلوقاته.
وهو كما جاء في الحديث النبوي و الذي رواه سيدنا البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال(خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا.فلما خلقه قال:اذهب وسلم على اولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع الى مايحيونك فانها تحيتك و تحية ذريتك.فقال السلام عليكم.فقالوا :السلام عليك و رحمة الله.فزادوه ورحمة الله).
في هذا الموقف يرى ابن العربي ومن خلال تفسيره لقول الله تعالىفاذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)و قوله جل جلاله: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم الملائكةفقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين)آية 31 س البقرة.
ان الله جل جلاله اطلع آدم عليه السلام على الأعيان الثابثة التي هي حقائق الأشياء الخارجية،فألأعيان الخارجية بمثابة الظلال لهذه الأعيان الثابثة.واطلاعه عليها كان في الموطن الثاني من مواطن العالم المسمى بظاهر العلم و الوجود.فعرف من اطلاعه على الأعيان الثابثة،الأسماء.أي اسماء الحق تعالى المتوجهة على أيجاد الأعيان الخارجية.،اذ كل عين لها اسم تخصها.والعارف يعرف الأسم الألهي بأثره.فيكون الأسم كالروح،والأثر بمثابة الصورة.وهذه المعرفة دون معرفة آدم عليه السلام كما أن معرفة آدم عليه السلام ليس كمعرفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.فبينهما فرقان.
فمعرفة سيدنا محمد صلى الله عليه سلم عند ابن عربي رضي الله عنه لللأ سماء تمت في موطنها الأول المسمى بباطن العلم والوجود ،حيث تسمى شؤونا.ثم نزل الى الموطن الثاني الذي تسمى فيه اعيانا ثابثة و استعدادات ثم عرفها في الموطن الثالث حيث تسمى اعيانا خارجية.فمحمد صلى الله عليه وسلم عرف الأصل،ثم تدلى الى الفرع،بخلاف آدم عليه السلام فأنه عرف الفرع ثم ترقى الى الأصل.
شتا ن بين من يستدل به وبين من يستدل عليه. ثم يرى ابن عربي ان تعليم الله عز لآدم عليه السلام لم يكن بدراسة او انزال وحي ولاارسال ملك،وأنما حصل له ذلك بأن كشف لآدم عليه السلام حقيقة أنسانيته وحقيقة مراد الله منه ،فوجد أن حقيقته مجموعة من الأسماء الألهية والكونية في مقام الفرق.والا فان جميع اسماء الهية ،فما الكون جميعه الا أسماءه جل جلاله وانما كانت حقيقة آدم عليه السلا م بهذه المنزلة لكونه برزخا جامعا بين الوجوب والأمكان،فهو البرزخ الجامع بين الطرفين المتقابلين.
فان عرفنا حقيقة الوجود،فأن العارف الوارث الغوث الكامل في فهم ابن العربي رضي الله عنه خليفة الله،والخليفة لابد ان يكون ظاهرا بصورة مستخلفه،وهي اسماءه وصفاته.واذا نقصه شيء من هذه الصفات فقد نقصه من الخلافة بقدرها.والعارفون الكمل متفاوتون في هذا.والظاهر بالصفات و الأسماء على الكمال ،هو الخليفة الكامل المشار اليه في الصلاة الأكبرية،ولايكون الا واحدا في كل زمان و هو الأنسان الكامل.والانية الفريدة بالنسبة لجميع المخلوقات.
فان كان الله جل جلاله قد خلق سيدنا آدم على صورته كما جاء في الحديث النبوي.فما هي الحقيقة المحمدية ؟
جاء في كتاب التعبير لسيد المحدثين مولانا البخاري في باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم،والحديث رقمه 6997 في كتاب الصحيحقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :_من رآني فقد راى الحق فأن الشيطان لايتكونني).
وفي هذا يقول مولانا ابن عربي رضي الله عنه(وصورة الشيء مجموع اوصافه لا عين ذاته،والترتيب حكمي لازماني فانه لازمان هناك،ولكن للتفهيم،وسمي الحق تعالى هذا النور و المنطبع فيه حقيقة محمدية.وروحا كليا ونحو ذلك.
فالمتوجه على المرآةهو الحق تعالى ،والمنطبع في المرآة حقيقة محمديةـ،وصورة رحمانية،فالمتوجه على المرآة والصورةفي المرآة والمرآة شيء واحد،اذ ليس وجود الا واحد ،هو وجود الحق ،فليس للمرآة ولا للصورة في المرآة وجود مغاير للوجود الحق المتوجه على المرآة.
فالحقيقة المحمدية هي تعين الحق لنفسه بجميع معلوماته ونسبه الألهية و الكونية ،فهي الحق.اذ التعين امر اعتباري لا عين له.....يعني رؤية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حقيقية فلا مغايرة الا باعتبارات العدمية كاالأطلاق و التقييد ،ومن هنا قال احد الأكابر-الوجود الحق تعالى ظهر في الحقيقة المحمدية بذاته ،وظهر في سائر مخلوقاته بصفاته.-يعني ان الحقيقة المحمدية ظهرت بالتجلي الذاتي موصوفة بجميع صفات الله جل جلاله وفوض اليها تدبير كل شيء يوجد بعدها.)الفتوحات المجلد 2/9.
في الفتوحات المكية أيضا اشارات لمقام خاتم الأولياء -الغوث وان شات القطب-(الختم ختمان .ختم يختم به الله الولاية العامة ،وختم يختم به الله الولاية المحمدية .فاما ختم الولاية على الأطلاق فهو عيسى عليه السلام.فهو الولي بالنبوة المطلقة.في زمان هذه الأمة.وقد حيل بينه وبين نبوة التشريع والرسالة.فينزل في آخر الزمان وارثا خاتما لاولى بعده،بنبوة مطلقة.
كما ان محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ،لانبوة تشريع بعده.وان كان بعده سيدنا عيسى عليه السلام من اولي العزم من الرسل و خواص الأنبياء.ولكن زال حكمه من هذا المقام لحكم الزمان عليه الذي هو لغيره.فينزل وليا ذا نبوة مطلقة يشركه فيها الأولياء المحمديون.فهو عيسى عليه السلام منا وهو سيدنا !فكان أول هذا الأمر نبي وهو آدم عليه السلام وآخره نبي وهو عيسى عليه السلام أعني نبوة اختصاص.فيكون لعيسى عليه السلام حشران يوم القيامة : حشر معنا و حشر مع الرسل و الأنبياء.

واما ختم الولاية المحمدية فهي لرجل من العرب من أكرمها أصلا ويدا.وهو في زماننا هذا موجود .عرفت به سنة خمس وتسعين وخمسمائة ،ورأيت العلامة التي له قد أخفاها الحق فيه عن عباده،وقد كشفها لي بمدينة فاس حتى رايت خاتم الولاية منه لا يعلمها كثير من الناس.
وقد ابتلاه الله باهل الأنكار عليه فيما يتحقق به من الحق في سره من العلم به .)الفتوحات 2/49.
فهل التقى ابن عربي رضي الله عنه غوث زمانه بفاس رضي الله عنه ؟نترك الأجابة لصاحبها فقد كتمها و لم تكن هناك الا أشارات.حتى يكتم ماامر الله بكتمانه.
نذهب لنص آخر لابن عربي رضي الله عنه في كتابه المسمى بكتاب نقش الفصوص نختم به فهم محيي الدين العربي لوجود الخلق ومعرفة العبد لربه:
1.فص:حكمة الهية في كلمة آدمية:اعلم ان الأسماء الحسنى تطلب بذواتها وجود العالم فاوجد الله جسدا مسوى وجعل روحه آدم عليه السلام و أعني بآدم وجود العالم الأنساني و علمه الأسماء كلها .فان الروح هو مدبر البدن بما فيه من القوى و كذلك الأسماء للأنسان الكامل بمنزلة القوى ولهذا يقال في العالم انه الأنسان الكبير و لكن بوجود الأنسان فيه وكان الأنسان مختصرا من الحضرة الألهية ولذلك خصه بالصورة فقال خلق الله آدم على صورته وفي رواية :على صورة الرحمن.
وجعله الله العين المقصودة من العالم كالنفس الناطقة في الشخص الأنساني ولهذا تخرب الدنيا بزواله وتنتقل العمارة الى الآخرة من اجله فهو الأول بالقصد و الآخر بالأيجاد و الظاهر بالصورة والباطن بالسورة اي المنزلة فهو عبد الله ورب بالنسبة للعالم لذلك جعله الله خليفة و ابناؤه خلفاء،ولذا ما ادعى أحد من العالم الربوبية الا الأنسان لما فيه من القوة و ما احكم أحد من العالم مقام العبودية في نفسها الا الأنسان فعبد الحجارة و الجمادات التي هي أنزال الموجودات ،فلا اعز من الأنسان بربوبيته و لا أذل منه بعبوديته.
فان فهمت فقد أبنت لك عن المقصود بالأنسان فانظر الى عزته بالأسماء الحسنى وطلبها اياه تعرف عزته ومن ظهوره بها تعرف ذلته فافهم ومن هنا تعلم انه نسخة من الصورتين الحق و العالم)كتاب رسائل ابن عربي ص394 .
بعد ان عرفنا مقام العبد عند ربه،ومعنى وجوده ،باعتباره صورة من صور الرحمن،تتجليى فيه أسماؤه و صفاته، وأن الكون مرآة للوحي المنشور،و أن الحقيقة المحمدية هي أكبر حقائقها،ولولاه لما وجد العالم،و لما شوهد الرب الا بوساطته، فلا طريقة الا طريقته .
يستفسر العقل قائلا:لم فهمت آراء ابن العربي رضي الله عنه حلولا و اتحاداونسبت للباطنية و المجوسية و فلاسفة الأشراق؟
آفة العقل عدم قدرته على استقبال حقائق الوحي دون قوالب صنعها لنفسه؟
مثل النسبية،او اعتبار كل النصوص القديمة مجرد ثراث.
ان شئت مرحلة ترقي الأنسان من الطفولة اي استمداد معارفه من الوحي الى مايسميه بنبذ كل ماوراء الطبيعة.الى الرشد وهو تسييد العقل و الشك هو سيد الموقف.
كيف يفلح ان من جده قرد ،في نشوءه و ارتقاءه.؟
الأنسان في قمة ربوبيته لا يرى نفسه الا مرتديا رداء الكبر الفرعوني ليبرر و جوده"انا ربكم الأعلى".هكذا نشأ العقل الفلسفي في ساحة الأكورا اليونانية يسبر العالم و معناه.
و نشأ العقل المسلم في المسجد.
قل ان شئت عقل الخرافة كما يقال.حتى اصبح منا من يستحيي ان يتكلم في الغيب
وقال محمد عبده الرائد الأصلاحي ان الجن هي الجراثيم التي اكتشفها باستور.
ان كان في وقتنا ماعساه يقول في التقنية الرقمية:انه الفناء في المشاهدة و التجلي الكوني الأكبر.

فان كان الوحي وهو اصل ايماننا ،محل الريب .فكيف الأجتهاد و هو تفاعل العقل و فهمه وتطبيقه للوحي.
وتجارب رافقت سير أجيال باسرها.التصوف تجربة انسانية شاذة حسب البعض لأنها انتجت علما فيه من المحاسن قوضته مساوءه ، فألأحرى ان يظل في زاوية من النسيان مجرد ثراث نعود اليه كلما احتجنا معطى حسب حسن حنفي لنبرهن للعالم ان لنا تاريخا و حضارة و كذلك تقافة culture كما يحب سادتنا الحداثيين.
لفظ " معطى" يدل على معنى حذرنا الله منه في القرآن.قوله جل جلاله:"كلما جاءت امة لعنت
أختها".
وفي القدر الكفاية
والله ولي التوفيق.

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #5
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 5.دراسات في التصوف، بين واجبات الشريعة و أوهام الحقيقة:

دراسات في التصوف، بين واجبات الشريعة و أوهام الحقيقة:


لا زلنا في بحر من الأفكار تتزاحم في تدافع بين ماهو حق و ما هو باطل من ضرب الخيال.
كيف اصدق حدثني قلبي عن جبريل عن ربي ، أم علمكم هذا أخذتموه ميتا عن ميت و علمنا هذا أخذناه من الحي الذي لا يموت.!
كيف اصدق ما في الكشف من الحقائق الكونية الماضية و الحاضرة و المستقبلية ، وعقلي لم يسلم بين علم النفوس الطيبة من علوم أهل الأجرام في زماننا ؟.
أم كيف استقبل ما في علوم القوم من معالجة لخبايا النفس ، وفكري ما زال يشوبه الشك في وجودي ، بل ووجود وجودي أي ميلادي الروحي بعد الميلاد من رحم أمي بعذ ظلمات ثلاث لا يعلمها الا الباعث الحي الذي لا يموت.!؟.
وكيف اسلم لله و رسوله روحي لتعالج في حضن الولي المربي ، ومن يضمن لي عاقبة الصحبة أن كان من أصحاب العلم الجامد الخامل لا يحرك الجماد ، أو دعيا من أدعياء المعرفة ؟او ممن يتشدق بكلام الحقائق و قلبه ساه غافل من الله ، لا يرقص الا على أيقاع الموشحات الأندليسة ، ولا تجده الا الموائد و المواسم الصاخبة.
كثر في زماننا الدجل تلازمه برامج خرق العادة في قناة discovery ، nationalge geographique ،و حتى بعض قنوات الخاصة بالتاريخ ، تغوص البرامج في الجدليات التاريخية ، و أحيانا اسطورية تتيه بعقل الباحث ، وتهزئ بأصحاب المعتقدات ، و تجعلهم في كفة متساوية مع عباد الطوطوم و الأنكا و الأزطيك و الهندوس .....
وأما ماتنظر ألغاز و أسرار كما يقوم القوم ، العقل العلمي المتبرج في عقلا نيته العار من أدنى تصور لمعنى النبوة ، يضع الطلاسم و الأسئلة حول سفينة نوح اين أختفت ؟ و عصا موسى التي كانت بحوزة المجنون هتلر هل هي الآن في يد أوباما أم و رثها عن الولي الذي كان يكلم ربه بوش وبها انتصر على الطالبان و القاعدة؟، ومسامير التي دقت في جسد المسيح بزعمهم الكاذب هل هي في يد مونسليني أم أختفت؟.
بأزاء الأبحاث ملايير الدولارات ، وأجهزة ألكترونية تبحث ، وأقمار صناعية تتحرك تبحث عن أدنى حركة لدبيب النملة في جحرها هل تحركت أم نامت تسبح بحمد ربها ؟.
و في حركة مما ثلة ، قال أحد الحمقى في قناة اسلامية مجيدة أن الوحي و صلصلة الجرس من تأليف الدولة الأموية ، وأن الأحاديث التي بصددها مغلوطة ، لأنها جمعت في العهد الأموي.!.
وعليه فمراجعة هذه الأحاديث واجب وضروري ، ذلك أن العقل السليم بحسب هذا الباحث الأسلامي الألمعي التي تضرب بأسمه الأمثال في الآفاق ، لا يقبل هذه الحقائق ؟.
ومنهم من بالغ في قدح التاريخ الأسلامي بغضه و سمينه ، وأعتبره تاريخا شخصانيا لا يعرف المؤسسات ، ومن ثم فكل البطولات المذكورة في الأحقاب المسلمة مجرد كرامات تنضاف لسلة الخرافات العتيدة.
فما بالك بعلوم القوم ؟.
ماهي الشريعة ؟.
وما معنى الحقيقة ؟.
سؤال فطري بديهي لمن يبحث عن الحق .
وسؤال بليد لمن اعتاد ان يمر على المصطلحات و المفاهيم.
الشريعة بحسب السلفي أقامة للحدود ، ودولة قوية صاحبة سيف لا تعرف في الله لومة لائم ، تضرب ضربة يد من حديد ، يدعو اليها قائم بالله في الفجر و تهزم دولة الشيطان في أمريكا في الثلث الأخير من الليل.
وهي عند الشيعي مجرد دولة غائبة غابت منذ حادثة سقيفة ، حيث خطفت من يد أهل البيت و استولت عليها قريش ، ثم توارتثها بالسيف، وهي انتظار للأمام الغائب حتى يحضر فتحضر معه الشريعة.وكفى.
وهي عند المفكر الحداثي مجموعة من الأفكار النقية الروحانية تنأى بضيائها عن نجس السياسة ، ومن ثم فالدين لله ، وكوكب الأرض للجميع.
وعند رجل عادي في الشارع لقمة العيش ، والغنى المضمون حاشا لله أن يترك وليه فقيرا ، فالتدين ثمرته الدنيوية مرجوة سعة المال و الزوجة و الولد ، فأن غاب عنه هذا لعن الدين و انتقل الى غيره!.
وهي عند صوفية الأرزاق موائد في المولد ، ورقص في الحضرة الليلية ، وتشدق بكلام القوم غير المفهوم، واسقاط للتكاليف ، فالشريعة غائبة عندهم كما هي مغيبة عند اهل الشيعة .
وهي عند الغرب كما نعلم ثراث انساني يؤخذ منه و يرد.
فهذه هي الشريعة في اطيافها المتعدد تموج في موجها كالبحر ، فكل أناء بما فيه ينضح !.
فما هي الحقيقة ؟.
الحقيقة تتغير عند أصحاب المنهج العلمي بتغير الظروف و الأحوال .
وعند القلاسفة مجموعة من الأفكار تحيط بها غابة من الأسئلة لا تنتهي و لو ماتت جميع حيوانات الأدغال .
وعند السلفي هيام و خيال و خرافات.
وعند الصوفي ما ياتي عن الحق ، بمواهب و حقائق تعجز العقول عن أدراكه ، وتزداد حيرة كلما كانت مواهب الولي باهرة وفهومه زاخرة و عينه لا تنضب و مورده لا ينقطع .
فهذه هي الحقيقة في مختلف مظاهرها وانواعها.
فما هي الشريعة التي ننشدها ، وما الحقيقة التي نبحث عنها ؟.
يقول السيد عبدالسلام ياسين في كتاب الأحسان ،فقرة سياج علم الشريعة ما يلي ص 18 ، الجزء الثاني :-
إن المتقدسين بالعزلة عن دنس الدنيا، المتنزهين عن مخالطة الغافلين، الذاكرين الله كثيرا في الخلوات، كانوا عرضة للخطإ والزيغ من جهات لا يتعرض لها عامة الناس. كانت لهم أذواق تلْطُف أن يُلِمّ بها الخيال، أو يحوم حول حماها كثيف المقال. والأذواق والكشف تخطئ كما يخطئ الرأي، بل يجد الشيطان والهوى منهما مدخلا ليستحوذا على هواجس النفس ويكدرا خواطر القلب. لذا كان مُعوَّل أئمة الصوفية على سياج الشريعة يحوطون به تلامذتهم، ويذكِّرون ويبصِّرون. إذ لا عاصم من الزيغ العامد والخطإ غير الراشد إلا معيار التقوى وتعليم الهدى. وما زال أئمة التربية يوصون بحفظ الشرع والوقوف عند الأمر والنهي تلامذتهم المُقدمين على خوض لُجّة الرياضات وسلوك فجاج الخلوات.
كان أبو سعيد الخراز يقول: "كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل". ويقول الإمام الجنيد: "علمنا هذا مشتبك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". ويقول: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول :ربما تقع في نفسي النكتَةُ من نُكتِ القوم (يعني الذوق من أذواقهم) أياماً، فلا أقبل منها إلا بشاهدين عدلين: الكتابِ والسنةِ". ويقول أبو يزيد البسطامي: "لو نظرتم إلى رجل أُعطِيَ من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود". ويقول سري السقَطِيُّ: "من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط". ويقول أبو بكر الشفاف: "من ضيع حدود الأمر والنهي في الظاهر حرم مشاهدة القلب في الباطن". ويقول الجريري: "أمْرُنا هذا مجموع كله على فضل واحد، وهو أن تلزم قلبك المراقبة ويكون العلم على ظاهرك قائما". ويقول أبو جعفر: "من لم يَزِن أقواله وأفعاله وأحواله بالكتاب والسنة ولم يتهم خاطره فلا تعُدَّه في ديوان الرِّجال".
قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس". بعد أن سرد مقالات الأئمة هذه: "وإذ قد ثبت هذا من أقوال شيوخهم، وقعت من بعض أشياخهم غلطات لبعدهم عن العلم. فإن كان ذلك صحيحا عنهم توجه الرد عليهم، إذ لا محاباة في الحق، وإن لم يصِحَّ عنهم حذرنا من مثل هذا القول، وذلك (هو) المذهب من أي شخص صدر".
ابن الجوزي رحمه الله في كتابه نموذج للعلماء القائمين على الحدود، الحافظين لسياج الشريعة أن يُخْترق، الذابّين عن حرمتها أن تنتهك. لذا فهو يندِّدُ بما نقل من خطإ وعيب نُسب إلى شخص، ويحذر مما لم يقع مخافة أن يقع. فذلك مذهبه في سد الذرائع. إذا أضفنا إلى هذا أنه كتب كتابه ليؤدي أمانة العلم كما قال بِتِبْيانِ غلط كل الغالطين، وأنه خصص لثلب الصوفية مائتين وثمانية وأربعين صفحة بينما لم يذكر الأمراء والسلاطين وتلبيس إبليس عليهم إلا في ثلاث صفحات ظهر التحامُل، ومالت كِفة الميزان عن استقامة العدل.
الله وحده يعلم ما آل إليه أمر العلامة ابن الجوزي في آخر حياته، وقد تآمر عليه ابن له عاقٌّ فسُجن وهو في الثمانين من عمره في بيت وحده مدة خمس سنوات. الله أعلم متى كتب مثالب الصوفية وهل رجع وهو في محنته النهائية عن قوله في المكاشفة: "كلام فارغ".، وقد كان له ابن آخر غير العاق قدمه لشيخ صوفي ألبسه الخرقة ورباه.
ويا ليت المتحاملين على الصوفية من قراء ابن الجوزي السطحيين ينقادون للحق، ويعرضون أفعال الصوفية، بعد أن يخالطوهم ويتثبّثوا من صحة المعطيات، على الكتاب والسنة بدل أن يقلدوا منهجية الشك والحكم على ما صح عن بعضهم وما لم يصح كما أعلن ذلك ابن الجوزي نفسه.
على أن ابن الجوزي رحمهُ الله، مع تطرفه، لم يكن من المكفرين المُغْلَقين. فإنه يقول: "وقد يكون الرجل من الأولياء وأهل الجنة وله غلطات، فلا تمنع منزلته من بيان زَلَلِه"ويا ليت لقراء ابن تيمية الحاملين لواء التبديع والتكفير عُشر ما عند الرجل من معرفة بأحوال الصوفية إن لم يكن لهم عشر ما كان معه من العلم والاطلاع. إذن لكان حُكمهم أقرب إلى التواضع. ابن الجوزي رحمه الله كان يتكلم من خارج حوزة التصوف، ويذُب عن حِمى الشريعة في حركة واحدة ما هو خطأ وعيب بالفعل، وما هو خطأ وعيب محتمل، وما هو صحيح وما لم يصح أما شيخ الإسلام ابن تيمية فكان أوسع أفقا وأكثر تثبثا وأدق معرفة بموضوعه. وما جاء من شذوذ ومبالغات وخطإ في أحكامه على بعض الصوفية فمردُّه إلى قصور ما كان له معهم من "القدر المشترك". ذلك القدر الذي لا يعترف به ابن الجوزي ولا يُقرُّه وإن كان يفرض فرضا أن من الصوفية من قد يكون وليا من أهل الجنة.
أئمة القوم أحق أن يُسْمع لشهادتهم. فهم كانوا ينظرون إلى المشْهَد من داخل بحكم كونهم من أهل مكة الذين هم أدرى بشعابها. ثم هم كانوا ينطقون بلسان الشرع لأنهم كانوا من علماء الشرع الراسخين، ولأنهم قبل كل شيء يعلمون أن ما بلغوه من مقامات القرب عند الله ما كان لتفتَح لهم أبوابهُ إلا بالاتباع للسنة المصطفوية، على حبيبنا محمد أفضل الصلاة والسلاملذا فوصاياهم إلى مريديهم رائدها العلم الظاهر، وروحها اليقين العملي "التجريبـي" بأن الطريق مغْلقة بلا رَجْعة ولا شفاعة في وجه من يبتغيها عوجا عن استقامة الكتاب والسنة.
قال الإمام الرفاعي لمريد مُعجَب بشطحات الصوفية، يزجره إلى الشرع وأئمته: أي سادة! تقولون: قال الحرث! قال أبو يزيد! قال الحلاج! ما كان الحال قبل هذه الكلمات؟! قولوا: قال الشافعي، قال مالك، قال أحمد، قال نعمان. صححوا المعاملات البَيْنِيَّة، وبعدها تفكهوا بالمقالات الزائدة. قال الحرث وأبو يزيد لا ينقص ولا يزيد! وقال الشافعي ومالك أنجح الطرق وأقرب المسالك. صححوا دعائم الشريعة بالعلم والعمل وبعدها ارفعوا الهمة للغوامض من أحكام العلم وحكم العمل. مجلس علم أفضل من عبادة سبعين سنة. (أي من العبادات الزائدة عن المفروضات التي يتعبد فيها الرجل بغير علم.(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ )،سورة الزمر، الآية: هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ).سورة الرعد، الآية. أشياخ الطريقة وفرسان ميادين الحقيقة يقولون لكم: خذوا بأذيال العلماء. لا أقول لكم: تفلسفوا، ولكن أقول لكم : تفقهوا. من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"
كان الإمام أبو الحسن الشاذلي، شيخ مشايخنا رحمه الله لا يقبل مريدا في دائرته حتى يعقد له مجلسا يناظر فيه العلماء.
ومن تعظيم الإمام الرفاعي للعلماء قوله: "أي سادة! عظموا شأن الفقهاء والعلماء كتعظيمكم شأن الأولياء والعرفاء. فإن الطريق واحد. وهؤلاء وُرّاث ظاهر الشريعة وحَمَلَة أحكامها الذين يعلّمونها الناس، وبها يصل الواصلون إلى الله، إذ لا فائدة بالسعي والعمل على الطريق المغاير للشرع. ولو عبد الله العابد خمسمائة عام بطريقة غير شرعية فعبادته راجعة إليه، وَوِزْرُه عليه، ولا يقيم الله له يوم القيامة وزنا. وركعتان من فقيه في دينه أفضلُ عند الله من ألفي ركعة من فقير جاهل في دينه. فإياكم وإهمالَ حقوق العلماء! وعليكم بحسن الظن فيهم جميعا. وأما أهل التقوى منهم، العاملون بما علمهم الله، فهم الأولياء على الحقيقة. فلتكن حُرمتهم عندكم محفوظة".
إنه معيارٌ لا يخطئ في معرفة الصادقين وتمييز أهل الزَّغْل والتخليط: التمسكُ بظاهر الشريعة كما يتمسك الغريق بخشبة النجاة. فإن طريق السلوك وعقباته مزروعة بأنواع الابتلاء من نوع الفتن الظاهرة، التي يعاينها الخاص والعام، ومن نوع الفتن الباطنة. فإن كان تمسك المومن من العامة بالشريعة واجبا مرة، فهو في حق السالك مؤكد مرتين. وما هَلك من هلَك في هذه الطريق، ونقص من نقص، وهام من هام في أودية الأوهام إلا بحل عقدة الاعتصام بالعلم الموحى به. قال ابن عطاء الله رحمه الله: "ما حرموا الوصول إلا بتضييعهم الأصول".
وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "عليكم بالإيمان، ثم بالإيقان، ثم بالفَناء والوجود بالله عز وجل لا بك ولا بغيرك. مع حفظ الحدود، مع إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم، مع إرضاء المتلوِّ المسموع المقروء. لا كرامة لمن يقول غير هذا! هذا الذي في المصحف والألواح كلامُ الله عز وجل، طرفٌ بيده وطرف بأيدينا. عليك بالله عز وجل، والانقطاع إليه والتعلق به، فإنه يكفيك مؤونَة الدنيا والآخرة، ويحفظك في الحياة والممات، ويذُب عنك في جميع الأحوال. عليك بهذا السواد على البياض (المصحف). اخدمه حتى يخدُمَك، يأخذ بيد قلبك، ويوقفه بين يدي ربه عز وجل. العملُ به يَريشُ جناحي قلبك فيطير بهما إلى ربه عز وجل.
وقال رحمه الله: "كل من لم يتبعْ النبي صلى الله عليه وسلم،ويأخذْ شريعته في يده، والكتاب المنزل عليه في اليد الأخرى لا يصل في طريقه إلى الله عز وجل. يَهْلِك ويُهلِك! يَضِلُّ ويُضِل! هما دليلان إلى الحق عز وجل. القرآن دليلك إلى الحق عز وجل. والسنة دليلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. اللهم باعد بيننا وبين نفوسنا".
وقال قدس الله سره: "طر إلى الحق بجناحي الكتاب والسنة. ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى الله عليه وسلم. اجعله وزيرك ومعلمك. دع يده تزيِّنك وتمشِّطك! وتعرضك علي! هو الحاكم بين الأرواح، المربي للمريدين، جهبذُ المرادين، أمير الصالحين، قَسّام الأحوال والمقامات بينهم، لأن الحق عز وجل فوض له ذلك، جعله أمير الكل. الخِلَع إذا خرجت من عند الملك للجند إنّما تُقسَّم على يد أميرهم. التوحيد عبادة. والشرك بالخلق عادة.
وقال رحمه الله: "يا غلام! تذكُّرُكَ له يقرب قلبك منه. تدخل إلى بيت قربه وتصير ضيفا له. الضيف يُكرَم ولاسيما ضيف الملك. إلى متى تشتغـل عن هذا الملك بالمُلْك؟ والمُلْك عن قريب تفارقه. مُلْكُكَ مَلَكَكَ! عن قريب تحصُل في الآخرة! وترى كأن الدنيا لم تكن، والآخرة لم تزل. لا تهربوا مني لفقر يدي! فإن عندي غنىً عنكم وعن أهل المشرق والمغرب! إنما أريدكم لكم! في حبالكم أفْتِلُ! .
"لا تبتدع وتُحْدِثْ في دين الله عز وجل شيئا لم يكن. اتبع الشاهدين العدلين الكتاب والسنة فإنهما يوصلانك إلى ربك عز وجل. وأما إذا كنت مبتدعا فشاهداك عقلُك وهواك. فلا جَرَم يوصلانك إلى النار. ويلحقانك بفرعون وهامان وجنودِهما. لا تحتجَّ بالقدر، فلا يقبل منك. لابد لك من الدخول إلى دار العلم والتعلم، ثم العمل، ثم الإخلاص. بك لا يجيء شيء ولابد منك. اجعل سعيك في طلب العلم والعمل، ولا تجعله في طلب الدنيا. عن قريب ينقطع سعيك، فاجعل سعيك فيما ينفعك[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل لمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]. واضح أن موعظة الشيخ موجهه لملك أو أمير.-كتاب الأحسان طبعة 1998.
لا تجد النظر المنهاجي الموثل من وحي النبوة الا عند القليل.ومن ثم تجد هذا الصراع الموبوء على أدعاء الحقائق. و الفقه الجامع بين العلمين الشريعة و الحقيقة من الواجبات الملحة في زماننا.
فماهي العلاقة بينهما ، نعود الى كتاب الأحسان كتاب جامع لهذه المعاني بمفاهيم متجددة ، تضع نصب أعينها النبوة ثم النبوة ثم النبوة ، وتقديس عال بذوق رفيع لمعاني الوحي ، وتذكير مستمر لمعاني الغيب ، المعاني الغائبة في زماننا ، عقل يتفرعن و نفس هلوعة و قلب منقبض يبحث الدواء في علم النفس.
علم النفس تجارب حداثية لفقه الشذوذ في الفطرة ، والذوق السقيم في الأحساس ، كيف تطلب الدواء عند طبيب نفسي يعاقر الخمر و المصائب و يرتكب الحماقات في السبت ليستيقظ يوم الأحد مخمورا نائما منقبض الروح ، منتفخ العينين ، ثم يلج العمل يوم الأثنين في حركة فرويدية داروينية يحدثك عن عقد النفس وزلارت اللسان وعن عقدة أوديب و فضائح الكترا؟.
كيف هذا ان لم تسلم عن حديثه في علم الأبراج و مواصفات الروح التوأم!.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتاب الأحسان عن ترابط الحقيقة مع الشريعة قائلا في فقرة العلم علمان:-
أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم. فأما أحدهما فقد بَثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم". قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: "حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثَّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يُكْني عن بعضه ولا يصرِّح به خوفا على نفسه منهم كقوله. أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى إمارة اليزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة". وقال : قال ابن المنير: "جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين".
قلت ولا يزال الخلاف في فهم حديث أبي هريرة قائما بين الصوفية وبين أهل الحديث، الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أمثال حذيفة وأبي هريرة دون بعض، يتعلق بما يسمى "علم الحقيقة" والمحدثون يسدُّون هذه الذريعة وينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه كما فعل الباطنية الكفار الذين تأولوا الدين من أوله إلى آخره زاعمين أن ظاهر الشريعة قِشْرٌ على الباب، وملهاة للعامة، وأن الحقيقة وراء مظاهر ما يُتلى وظواهر ما يُفعل.
وفي اشتراك الصوفية مع غيرهم من الزنادقة في استعمال كلمتي "باطن" و"ظاهر" ما يعرِّض كلامهم لسوء الفهم. وليس إطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوادث الغيب المستقبلة كأحوال أمراء السوء وزمنهم وإطلاعه خاصة من أصحابه عليها أمراً قادحا في الشريعة، كما لا يقدح فيها إطلاع الله بعضَ عباده، من خاصة أحبابه، رأسا، بوحي منام أو إلهام، على حوادث كونية ودقائق فهمية. ولا يزال أئمة هذا الدين منذ عهد الصحابة إلى الآن يعرفون للصالحين من نور القلب ولا ينكرون.
ولئن وقف طائفة من المحدثين على ذريعة التعارض المحتمل بين الظاهر والباطن ليصدوا الزنادقة ويمنعوهم عن التلاعب بالدين فإن كبار الصوفية أنفسهم كانوا في طليعة من حارب الباطنية وجادلهم وكفرهم، ناهيك بكتاب الغزالي في "الرد على الباطنية".
يقصد السادة الصوفية بمصطلح "علم الباطن" ما يفتح الله للصادقين من علوم قلبية وأنوار هي، إلزاما، نتيجة تطبيقهم للشرع ووفائهم لأمره ونهيه وأقواله وأفعاله، مع إخلاص النية وتوجه الهمة لله عز وجل. روى ابن أبي شيبة والدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال: "العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم".
وقال الإمام مالك: "من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم. أما سمعت قوله تعالى: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا"؟ وقال أيضا: "إن الحكمة مَسْحَةُ مَلَك على قلب العبد". وقال: "الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد". وقال: "يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمرٌ يدخله الله القلوب من رحمته وفضله".
هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة "تصوف" كانوا على علم تام بنور القلب والحكمة و"مسحة الملك"، بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة وبحق. وكيف لا يكونون كذلك وإنما يقذف الله عز وجل نور الحكمة في قلب من أقرَّ في قلبه الإيمان فرعى الشريعة حق رعايتها.
وقد كان الإمام الشافعيُّ صاحب فراسة وكشف كما سنقرأ إن شاء الله في فقرة مقبلة. وهو الذي كتب في رسالته: "العلم علمان: علم عامة لا يَسَعُ بالغاً غيرَ مغلوب على أمره جهلُه(...)، (وعلم خاص ب) ما ينوب العبادَ من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة. وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة".
وإن كان الإمام الشافعي، والصوفية يعتبرونه من خاصة أولياء الله، لم يتحدث عن أنوار القلب في الرسالة كحديث مالك رحمه الله، فإنه أصَّل لمن بعده، كما قرأنا، مفهومين أساسيين: "العامة" و"الخاصة". وللمستشرقين وتلامذتهم وَلوعٌ بالحديث عن "الخاصة" و"العامة" يتخذون المفهومين سنداً وآلة لتحليل التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي على هواهم تحليلا ماديا طبقياً. كما يلعبون على التقابل بين "الظاهر" و"الباطن" ليعمقوا فكرة أن التصوف فلسفة دخيلة على الإسلام دين البدو الغلاظ، لم يعرفوا شيئا عن القلب ونور القلب إلا من مخالطتهم للحضارات والديانات العريقة عند الفرس والروم والسِّند والهِند.
نفتح كتاب الله عز وجل لنقرأ من خبر موسى مع العبد الصالح الذي سمته السنة خضراً. أخبرنا الله عز وجل أن موسى رحل مع فتاه، بوحي من الله، ليلقى عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً). سورة الكهف.
بقية القصص الحق تدل على أن من عباد الله من يعلمهم الله من عنده، ومن يأمرهم بأمره، ومن ينصبهم معلمين لعباده. قال الخضر لموسى حين التقيا:قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً،وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً. قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً سورة الكهف، الآية: وجاء في صحيح البخاري، كتاب التفسير، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخضر قال لموسى: "يا موسى! إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه". وجاء بالقصة في سياق طويل.
في قول الله عز وجل : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) مُستَمسَك القائلين بالعلم اللدُني، مُستمسَك ومرجع للمصطلح، أما المصطلح عليه فعطاء من الله عز وجل لا يد لأحد فيه،قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَاسورة فاطر.
وفتح الله لأوليائه خبَرٌ متواتر على مر الأجيال، يُنكره من جَهل ويجحده من حُرِم. وما علينا إلا أن نُسمع شهادة الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. الخضر عليه السلام شخصية مباركة، ثبت في الصحيح، كما قال الحافظ، أنه جاء الصحابة معزِّيا في وفاة رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول بعض المحدثين، وفي مقدمتهم الإمام البخاري، أنه عليه السلام مات بعد ذلك، بينما يؤكد أئمة آخرون من أهل الحديث أنه حي يُرزق أنظره الله إلى يوم يبعثون. قال الإمام ابن الصلاح في فتاويه: "أما الخضر صلى الله عليه وسلم فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك. وإنّما شذَّ بإنكار ذلك بعضُ أهل الحديث. وهو صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى آل كلٍّ وسلم نبي. واختلفوا في كونه مرسلا. والله أعلم.)
وقد ألف الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني رسالة سماها: "الزهر النَّضِر في نبإ الخضر. نقل فيه عن الإمام النووي المحدث الكبير الصوفي من خاصة أهل الله قوله: "قال الأكثرون من العلماء هو (أي الخضر) حي موجود بين أظهرنا. وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثرُ من أن تُحصى وأشهر من أن تذكر".
شيخ الإسلام ابن تيمية ممن يؤكد في كل مؤلفاته أن الباطن هو أصل الظاهر وعمادُه، وإن كان يحذر من تصور الشيطان لبعضهم يزعم أنه الخضر. ويشدد ابن تيمية رحمه الله وأحسن إليه في أمر الاتباع كما يشدِّد النّكير على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعلم الظاهر ولم يجئ بعلم الباطن، وكلامه في غاية الجودة. قال: "إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ملحد. وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى(...). وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بُعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك، لأن علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الإيمان الباطنة. وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة".
هذه كلمة رجل شديد سديد في موضوع "العلم علمان". وهاك كلمات أئمة هذا الشأن ممن لهم الباع الطويل في علمي الظاهر والباطن.
قال الإمام الرفاعي: "لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لُبُّ ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد.
"هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (علم الظاهر) عمل بالأركان، والثاني (علم الباطن) تصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويَّته، وقتلت وسرقتَ وزَنَيْتَ وأكلت الربا وشربت الخمر وكذبت وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك. وإذا عبدت الله وتعففت وصمت وصدَّقت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد فما الفائدة من عملك؟.
"فإذا تعين لك أن الباطن لب الظاهر، والظاهر ظرف الباطن، ولا فرق بينهما، ولا غنى لكليهما عن الآخر فقل: نحن من أهل الظاهر، وكأنك قلت: ومن أهل الباطن. قل نحن من أهل ظاهر الشرع وقد ذكرت باطن الحقيقة. أيُّ حالة باطنة للقوم لم يأمر ظاهر الشرع بعملها. أيُّ حالة ظاهرة لم يأمر الشرع بإصلاح الباطن لها؟.
"لا تعملوا بالفرق والتفريق بين الظاهر والباطن، فإن ذلك زيغ وبدعة.لاتهملوا حقوق الفقهاء والعلماء، فإن ذلك جهل وحمق.لا تأخذوا بحلاوة العلم وتُبطلوا مرارة العمل، فإن تلك الحلاوة لا تنفع إلا بتلك المرارة. وإن تلك المرارة تتيح الحلاوة الأبدية كلام معلم كبير يعالج أمراض الغرور عند بعض المريدين الحديثي العهد بالانتساب للقوم، تحدوهم نشوة الأذواق وسكرة القلوب ونورانية الكرامات فتختل موازينهم.
أما الأولياء الكمل فيعطون كل ذي حق حقه، ويعظمون أهل العلم، لاسيما العاملين منهم، وإن كانت أعين قلوبهم التي صقلها الذكر وأحيتها الصحبة وفتح لها فضل الله ترى ما لا يراه الغافلون. هم مع الخلق بالحواس المشتركة الظاهرة والعقل المشترك، وهم لهم حاسة باطنة هي القلب المنور.
قال الإمام عبد القادر رحمه الله: "العقلاء النجباء الصديقون قد نُفِخَ في صورهم، وقد أقاموا القيامة على نفوسهم، وأعرضوا عن الدنيا بهممهم، وعبروا الصراط بتصديقهم. وساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة. وقفوا عندالطريق وقالوا: لا نأكل ولا نشرب وحدنا، لأن الكريم لا يأكل وحده. فرجعوا إلى الدنيا قَهْقَرى يدعون الناس إلى طاعة الله عز وجل، ويخبرونهم بما هناك، فيسهلون الأمور عليهم.
"من قوي إيمانُه، وتمكن في إيقانه، رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز وجل به من أمور القيامة. يرى الجنة والنار وما فيهما. يرى الصور والمَلَك الموكل به. يرى الأشياء كما هي. يرى الدنيا وزوالها، وانقلاب دول أهلها".
قلت: ما كتمه أبو هريرة بعد أن أخذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذا القبيل. وليس خبر الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها ما يشغل العارفين الكمل.
قال الشيخ عبد القادر: "يرى الخلق كأنهم قبور تمشي. وإذا اجتاز على القبور أحسَّ بما فيها من النعيم والعذاب. يرى القيامة وما فيها من القيام والمواقف. يرى رحمة الله عز وجل وعذابه. يرى الملائكة قياما والأنبياء والمرسلين والأبدال والأولياء على مراتبهم. يرى أهل الجنة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوَوْن.
"من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعل الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه. وينظر مولاه عز وجل بعين سره".الجزء الثاني ص 13.
نسال الله العافية آمين.
وعليه ما هي علوم الأولياء ؟.
نترك هذا الى فقرة لاحقة.

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #6
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 6.دراسات في التصوف، بين تربية الولي المربي و تربية الولي المستبد

بين تربية الولي المربي و تربية الولي المستبد


صل على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه،
هذا المقال موجه لأجابي لسيدي اسلام صالح رجل نحبه و نحترمه لأسباب عدة ، منها أنه يشجعنا على التفصيل و التدقيق ووضع النقاط على الحروف ، كما أن هذا الموضوع موجه الى كل دعي أخرق أبله يستغل أشارات أهل الله لشهوات نفسه ، فالولاية منه أبعد كبعد السماء عن الأرض ، وأن الله يفضح عاجلا أو آجلا كل من أتخذ من العلم الشريف المنيف وسيلة لآستعباد الخلق بدعوى أن هذا علمه له خير البرية ، وأن علمه من الذات النبوية لا يعرفه الا للذات الفراش و النساء و الطعام و المال و الخطب الرنانة المبهمة الممتلأة بالأشارات الخاوية من المعنى أنرٍايتها و قرأتها بقلبك علمت أنها من ظلام الذات.
سيدي صالح، أحرجتني بسؤالك و أنا مجرد باحث أنحث منذ عشر سنوات ذكرا و قراءة كتب القوم، لكن نزولا لرغبتك و حبي في الله لك سيدي أقول لك :

الاقتصاد في لغة القرآن معناها الاستقامة على الطريق بين طرفي الإفراط والتفريط، ويتضمن معنى الاعتدال والتوسط. وأستعمل الكلمة بهذا المعنى وبالمعنى اللغوي الذي يفيد السير في الطريق بمواظبة وبدون انقطاع، ويفيد الصمود إلى الهدف المنشود، كما تقول العرب: أقصد السهم إِذا أصابَ وقتل مكانه. وتتمم خصلة "الاقتصاد" خصلة "التؤدة" وتكملها لكيلا يغلب التأني والتريّث على السير المتواصل.
السلوك إلى الله عز وجل، والسير إليه، عمل منصوص في الكتاب والسنة، كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس به. كان معنى القصد إلى قرب الله عز وجل بالتعبد، ومعنى طلب الحظوة عنده والزلفى لديه بالأعمال الصالحة علما مستقرا عندهم. قال شيخ الاسلام ابن تيمية : "كان جميع الصحابة يعلمون السلوك بدلالة الكتاب والسنة والتبليغ عن الرسول، لا يحتاجون في ذلك إلى فقهاء الصحابة".
معناه أن السلوك كان من البديهيات ومما يعلم من الدين بالضرورة. معناه أنهم كانوا يتمثلون حق التمثل أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، وأن الناس تتفاضل، وأن الأمر درجات يندب القرآن وتندب السنة إلى المسابقة إليها في مثل قوله تعالى:- سَارِعُواْ-سورة آل عمران، الآية: وقوله تبارك اسمه: سَابِقُواالحديد، الآية: وقوله عز من قائل: فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ )سورة البقرة، الآية: قال ابن تيمية رحمه الله: "فمسائل السلوك من جنس مسائل العقائد، كلها منصوصة في الكتاب والسنة(...). والصحابة أنفسهم(...) لم يتنازعوا في العقائد ولا في الطريق إلى الله تعالى التي يصير بها الرجل من أولياء الله الأبرار المقربين".
ثم بعد الصحابة دخلت البِدَع في العقائد من جراء نهوض أسئلة فُضولية فلسفية، وتكلم الناس فيما كان من حقه أن يُتَلَقَّى بالقَبُول الفطري، وأظلم طريق السلوك وتَعتَّم علمه الذي كان مسلَّما به عند الصحابة. وتعطل العمل السلوكي إلا عند طائفة سماهم التاريخ صوفية.
كان كل الصحابة يبتغون إلى ربهم الوسيلة ويستهدونه ويتأسون برسوله الماثل بين ظَهْرانَيهم. فيما بعد، وفي عتَمة البدع وظُلَلِ الفتنة التي مرت على الأمة مرورَ قطع الليل المظلم، احتاج السالك إلى نظر خاص، واسترشاد خاص، وصحبة خاصة. قال ابن تيمية : "الكلام في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر خاص".
اختصَّ بعض المومنين في النظر العملي التطبيقي إلى السلوك، حملهم حب الله عز وجل والثقة بوعده والتسليم له والتفويضُ على التشمير إليه، والتقرب. هؤلاء حدثونا عن تجربتهم وعن تَحْصيلهم للمقصود، وعن الوصول والمعرفة والكمال وسائر ما تعرضنا لتفصيله في هذا الكتاب.
وتخصص مومنون آخرون من علماء الحديث والفقه في النظر العلمي إلى الدين، فكان فيما أبدوا فيه رأيهم السلوكُ والسيرُ إلى الله عز وجل. من كان منهم ذا حظ من السلوك وعلى "قدر مشترك" مع الصوفية السالكين قارن المنصوص من علم السلوك بالمحَصَّل عليه من الذوق والوجد والمعرفة، فجاء كلامهُ الذوقي الوجدي المعرفي (أقصد معرفة الله تبارك وتعالى لا المعرفة العقلية للكون) شرحا مستنيرا لما ورد به الكتاب ووردت به السنة. مثال لهذا الصنف من العلماء، على مقاديرهم ومرتبة علمهم يوم أدوا شهادتهم، شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من العلماء المشاركين.
وسبحان الله كيف اكتفى علماء آخرون من السلوك بالاطلاع على نصوصه، و"خدمتها" بالشرح اللفظي والتأويل وتقييد الآراء والتعليق على أقوال الناس فيها. هذا إن لم يكادوا يشكُّون في صحتها كما كاد الحافظ الذهبي يشك في حديث البخاري: "من عادى لي وليا".
هذا الحديث العظيم أمتن تبليغ نبوي في موضوع السلوك والولاية والقرب من الله تبارك وتعالى، وأوضحُه وأكملُه وأجلاه. وقد فزع العلماء الناظرون بنية العلم مما طرب له ووثِقَ به وصدقه وعمل عليه الناظرون إلى "الخطة العملية"، المشمِّرون على جادة الطريق.
فزِع أولئك وطرب هؤلاء وصدقوا بقول الله عز وجل عن العبد المتقرب: "فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ويده ورجله". أخبر السالكون العمليون بما أصابهم من وعد الله الكريم الوهاب، وحام الفزعون حول النص يُشبِعونه تقليبا وتدوينا وتأويلا.
نقل الحافظ ابن حجر عن الطوفي أنه قال: "هذا الحديث أصْل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته ومحبته وطريقه. إذ المفترضات الباطنة وهي الإيمان، والظاهرة وهي الإسلام، والمركب منهما وهي الإحسان (توجد) فيهما كما تضمنهُ حديث جبريل. والإحسان يتضمن مقامات السالكين من الزهد والإخلاص والمراقبة وغيرها".
كلام الطوفي يتضمن اعتراف الفقهاء والمحدثين بكون الحديث العظيم أصلا في السلوك. اعتراف مجمل.
أما في التفصيل فأقوال العلماء النُّظَّار في العلم والنصوص تضاربت وتقابلت ولم تتفق إلا على أمر واحد. هو أن لا يكون في الحديث "مُتَمَسَّك للاتحادية والقائلين بالوحدة المطلقة"، كما عبر الحافظ ابن حجر
وقد روى الحافظ مقالات النظار. في معنى "كنت سمعه". فمنهم من قال: إنه ورد على سبيل التمثيل، ومنهم من قال: كنت سمعه أي أنَّ كليته مشغولة بي فلا يُصغِي بسمعه إلا إلى ما يرضيني. ومقالة ثالثة: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره. ورابعة: كنت له في النُّصرة كسمعه وبصره ورجله. وخامسة: كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه. وسادسة: معنى سمعه مسموعه، فلا يسمع إلا ذكري ولا يلتذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي ولا ينظر إلا في عجائب ملكوتي ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي وسابعة: قد يكون عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء ونُجْح الطلب. وذلك أن مساعي الانسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة.
وينقل ابن حجر رحمه الله في آخر عرضه مقالة الصوفية وكأنها مجرد نظرية تُحَطُّ إلى جانب ما سبق من نظريات. قال: "وحمله بعض متأخري الصوفية على ما يذكرونه من مقام الفناء والمحو، وأنه الغاية التي لا شيء وراءها. وهو أن يكون قائما بإقامة الله له، محبا بمحبته، ناظرا بنظره له من غير أن تبقى له بقية تُناطُ باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بأمر أو توصف بوصف".
قال شارحا مترجما لكلامهم حسب إدراكه، موافقا مسلما غير معارض: "ومعنى هذا الكلام أنه يشهد إقامة الله له حتى قام، ومحبته له حتى أحبه، ونظره إلى عبده حتى أقبل ناظرا إليه بقلبه".
ثم يلتفت إلى الزنادقة فينقل مقالتهم، وهي شبيهة بشطحات أهل السكر، وهي مقالة الحلولية والاتحادية الزائغين. ويُنكر هذه المقالة الشنيعة، وقد رجع من عرضه بنتائج حكاية العلم وتقريره وبفضيلة النهي عن المنكر.
سبحان الله! ما يحبسني عن الهيمان على وجهي في البراري أطلب ما طلب الرجال! كيف تحلو الحياة، بل كيف تُحتَمَلُ لحظة، وأنا لا أعرف ما اسمي في الملكوت! كيف أُسَوِّفُ رحيلي إلى ربي، وتوبتي الكلية ورجعتي إليه وهو سبحانه يتحبب إلي وينادي ويعد ويبشر.
قال الإمام عبد القادر قدس الله روحه: "اهجُرْ طبعك وهواك وشيطانك ولا تركن إليهم. إذا ثبت هذا فاجعل بينك وبين أقران السوء عداوة. ولا تصادقهم حتى يوافقوك في حالك. التوبة قلب دولة".
أقول نعم! التوبة الكلية التي تتمثل في هجر كل ما ذكر والطيران بجناحي الإنابة والشوق إلى المولى الكريم انقلاب عميق. لكن من يقدر عليه إلا همة مرفوعة سبقت لها عند الله الحسنى!
ويقول الشيخ الإمام في شروط السلوك بعد التوبة: "إذا تركت نفسك مع الدنيا، وقلبك مع الأخرى، وسرك مع المولى، حينئذ صارت خلوتك أنسا بالله. وأما مع وجودها ووجود غيرها من الأنفس فلا يكون لك خلوة.(...)".
لا يقصد الشيخ هنا الخلوة المعروفة، وهي حبس المريد نفسه في حجرة خاصة ليتفرغ للذكر، إنما يقصد التخليَ المعنويَّ الذي يرتفع به نظرُ النفس عن اللذات، ونظر القلب عن الدنيا جملة، ونظر السر عن الدنيا والآخرة. حينئذ يقف بالهمة واقف العناية على "باب الملك".
قال الإمام: "لا كلام حتى ترى الباب! فحينئذ ترى الغلمان (يقصد الاولياء المشايخ)(...) كن مع الصادقين حتى تعامَل بما عوملوا به. اصدق في أقوالك وأفعالك في جميع أحوالك. الصدق هو التوحيد والإخلاص والتوكل على الله عز وجل(...).
"قرب الحق عز وجل لا يحتمل الزَّحْمَة. من كل ألف ألف منكم إلى انقطاع النفَسِ واحد يعقل ما أقول ويعمل به. وباقيكم يدخلون في غماره، ويتبركون بحضورهم معه. إني أرجو لكم الخير في الدنيا والآخرة. الدنيا سجن المومن. فإذا نَسي سجنه جاءه الفرج. المومنون في سجن، والعارفون في سكر، فهم غائبون عن السجن".
هذا لتعرف معنى السلوك سيدي ،اما الآن افرق لك بين الولي المربي والولي المستبد

أ.الأذن الصريح من النبي بالتربية و التعليم ، فيقوم الولي بتربية الناس على هدى من ربه.
و الأذن يكون بقذف في الروح أو مخاطبة مباشرة نبوية في المنام أو رؤية كاملة عيانية في اليقظة.
وهنا يستوجب الوقوف هل من الممكن أن نرى النبي يقظة ، وعندي موضوع في ذالك سأكتبه في منتدى النور القلوب أن وجدت من ينكر هذه الرؤية.
1.في معنى الولي السالك:يقول سيدي عبد السلام ياسين 1.من شروط الولي الكامل :
أما الولي المستبد سيدي فلا أذن له الا أنه يربي بهواه ، ويكون رجل سالك يرقى في مقامات التربية ، لكن يربي عن هوى نفس.
وعلامة المريد أن يشعر أن ورد المربي المذكور لا يغير في نفسه شيئا.
ويمكنك ان تقرأ لمثل هذا في كتاب الأبريز ، في فصل في أولية أمره يحكي فيه الولي صحبته لشيوخ لا تغير فيه شيئا .وهذه من علاماته.
ب.ان يكون رحيما رفيقا ، بحيث يحرص على مريده أكثر من نفسه ، ويدله على عيوب نفسه بالأشارة بالبسمة بالرفق بكلمات الود و لا يشدد في الخطاب الا عند الضرورة.
ومهما بدر من المريد تجد الولي المربي يصبر و يتأنى لعشرات السنين حتى يصلح أمر مريده.
هذا في أمره الخاص أما العام فتجده يرفق بأمة الحبيب مع العاصي و الفاسق و المجرم و الزاني والسارق وكل طوائف الأمة و يحرص على الدعاء لهم حرصا عليهم في خلوته.
أما الولي المستبد فتجده يستبد في مريده فيرهقه بالخذمة و صرف المال و استغلال ثرواته ، و لا يتورع حتى في النساء ، فيتزوج و يطلق ، ويقول في نفسه : هذه المرأة محظوظة ستعيش في حجر الولي ، وأن طلقتها فلا ضير فذاك شرف ، فتجد أحدهم في مستهل الثمانينات يراود فتاة في العشرينيات ، بالكلمات و اشارات و يسميه حب و هدى خير البرية.
ويستغل حتى رؤاه المنامية -هذه أن كانت رؤى حقا-فأن اللبيب الحاذق يعرف أنها من تصورات الخيال أحيانا ، أو أستغلال فظيع.
رؤيتك للنبي لا تعطي لك الحق في الأمة أصلا ألا النصرة و التسليم في علومك ان كان لهذا الولي علوم اصلا.
وتجده يستحل العرض و المال بدعوى البركة .
وهذه من علامات الولي المستبد.
فأين الرحمة و الرفق و الرأفة في ميزان هذا الولي؟.
ج.يصرف الولي الكامل أن كان له مهام التصرف المأخوذ من أمامة النبي وأذنه ، بعض الروحانيين الكمل من الجن ، وله تهاريف اسمية ، لكنه يستحيي من أرادة غير مولاه فلا يستعملها الا في أمور الأمة الكبيرة.
أما الولي المستبد فيحدثك عن كراماته ، وأن كانت له مجربات روحية و أحذركم منهم الآن أخوتي ، فقد جربت شرورهم و شرور أحدهم هذه الأيام ، منهم من لا يستحيي في تصريف الأسماء الألهية لرؤية عورات النساء خلسة و كأنه يشاهد فيلما اباحيا ، بل و يصفها في الخاص و العام ، بل يتجسس عن ثروات الخلق ، بل على مشاكلهم ، ثم يخبرهم بها ليستنزف منهم المال و سلاحه في ذالك الكلمات الرنانة و الأشارات الذوقية و الله و رسوله منهم بريء و الأجدر أن ندعو معهم بخير.
فشتان بين تصريف و تصريف .
وهذا مبحث كبير و أعتذر عن الأحبة لا استطيع أن اكتب أكثر من هذا فتجاربي عديدة و صحبتي لأهل التصريف الرباني علمتني كيف أفرق لا أستطيع أن أفشي اسرارهم أكثر من هذا .
ه.الولي الكامل له وراثة في العلم و التربية و الأخلاق والمقام القلبي في الأحسان يهزك بكلامه و صحبته دون كلام.
الولي المستبد غير هذا كلام فقط.
ابحث عنه في الثلث الأخير قد تجده يقوم الليل لكن يسقط التكاليف فقد وصل .
م.الولي المربي مثال لقول الحق و لو على نفسه، يكرم زوجته و أولاده ، فيكتفي بالواحدة ، و لايتخذ من تعدد زواج النبي سببا لأرواء نهمه ، بل لا يتزوج الا لضرورة ملحة.
ويكون متأدبا في حضرة الحق و نبيه لا يذكر كراماته و تصريفاته.
بل يستحيي منها.
الولي المستبد ان صرعا مصروعا أو أنقذ ملبوسا سمعت الحديث عنها في أقاصي اندونيسيا و في بيوت استراليا ، وسمعت عن مغامراته في المغرب.
و ينقلها الراوي بالسند الصحيح المعنعن الى أسبانيا.
اترككم الآن مع نماذج من السالكين الأوائل ، لتعرف سيدي أن الولي الحق من كان وليا هذه صفته
الموضوع الأصلى من هنا: منتدى نور القلوب
أخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله قال: "إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر. وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه. وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه". الحديث ضعَّف سنده الحافظ الهيثمي، ومعناه صحيح لا سيما في موضوع الصحبة. وأئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يستشهد به في فضائل الأعمال.
شاهِدُنا في الحديث أن الشيخ عبد القادر الذي لم يختلف عليه علماء الأمة من كل المذاهب والفنون والعصور وأجمع الكل على ولايته كان كغيره من أئمة الهدى مفتاحا للخير. وقد نقلنا كثيرا من كلامه الفريد في أسلوبه، وننقل هنا نبذة من بيانه لمبادئ السلوك يُعطي فيها الأهمية القصوى للصحبة، كما يعطيها الكمَّلُ الناصحون من الأولياء. وسبحان الله كيف أخذ المحدثون الحنابلة عن الإمام عبد القادر كل شيء إلا مسألة الصحبة التي لا يكادون يعيرونها اهتماما، ففاتهم الاستفتاح بالصحبة الشخصية، وفاتهم بفواتها البداية الصحيحة.
يتحدث الشيخ عبد القادر عن اليقظة القلبية التي هي الخطوة الأولى نحو الطريق، أي نحو الشيخ المربي، فيقول: "الذي يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس. فيكون على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة سنَّة النبيئين والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصديقين.
قال: "فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما أمرا ونهيا، أصلا وفرعا. فيجعلهما جناحَيْه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله عز وجل. ثم الصدقُ، ثم الاجتهاد، حتى يجد الهداية إليه والدليل، وقائدا يقوده، ثم مؤنسا يؤنسه، ومُستَراحا (يقول الغزالي: معتصَما) يستريح إليه في حالة إعيائه ونَصبه وظُلْمته عند ثوران شهواته ولذاته، وهَنَاتِ نفسه، وهواه المُضل، وطبعه المجبول على التَثَبُّط والتوقُّف عن السير في الطريق".
قلت: بعد صدق العقيدة، والطريقُ إلى الله لا يدخلها إلا من كمل صدقُه، وصدقِ الاتِّباع، وصدقِ الطاعة لله ورسوله، وصدقِ الاجتهاد وهو صدق الطلب، يتعين على السالك أن يجد "دليلا" يكون في نفس الوقت قائدا ومؤنسا وملجأ يثق به السائر ويستريح إلى هديه ونصيحته وتوجيهه ليحميه من غوائل نفسه وميولها، ويعالج هَناتِها، ويقوِّم اعوجاجها مع الهوى، ويجدِّد إرادة السالك إن فَتَرَتْ، ويرفعَ همَّته إن خَمدت. نجد عند الشيخ عبد القادر نفس الاهتمام بتعريف النفس وتطبيب القلب والخفارة من أهوال الطريق، وهي الوظائف التي قرأناها عند حجة الإسلام.
ثم يبين الإمام عبد القادر أهمية صدق الطلب والصبر الطويل في الطريق، وذلك مما يؤكد أهمية الصحبة والرفقة والخفارة. قال رحمه الله: "ثم يجب عليه أن يُخْلِص مع الله عز وجل عهدا بأن لا يرفع قدما في طريقه إليه ولا يضعها إلا بالله ما لم يصل إلى الله. فلا ينصرفُ عن قصده بمَلامَة مُلِيمٍ لأن الصادقَ لا يرجع، ولا بوجود كرامة، فلا يقفُ معها ويرضى بها عن الله عزوجل عوضا".
قلت: هذا الإخلاصُ في السير يُحَرِّرُه بعض المشايخ بالعهد والبيعة يأخذانهما على المريد ويُقيِّدانه بهما. وبعض المشايخ لا يفعلون ذلك لئلا يُصبح العهد المأخوذ على ضعفاء الإرادة، يعاهدون اليوم وينْقُضون غدا، هُزُؤا ولَعِبا. ومسألة أخذ العهد تعطيها بعضُ المدارس الصوفية صِبغةً احتفالية لها طقوسها. تجد هذا غالبا عند شيوخ التبرك الذين لم يبق لديهم من السلوك إلا الذكريات والشكليات. أما المشايخ المربون فحالهم تنهض بالصاحب الصادق، قلوبهم مغناطيس جلاب جذاب.
على أن المشايخ مجمعون على ضرورة فطام المريد عن رفقة السوء، وهي عدوَّة الصحبة في الله الأولى. قال الإمام عبد القادر: "ولا يُخالط (المريد) المقصِّرين والبَطَّالين أبناء قيلَ وقال، أعداءَ التكاليف، المدعين للإسلام والإيمان".
وقلت: ومن المقصرين والبطالين الذين ترجع صحبتهم بالتثبيط والإفشال المتكلمون بغير علم ولا تثبُّت في الولاية، المشككون في طريقها. وإنَّ سُمَّ التشكيك، يمتصه طالب الطريق قبل أن تتمكن قدماه على الجادة، أفتك من كل آفة تتربص بالمريد في بدايته.
لهذا لم يأْلُ المشايخ العظام نُصحاً بالثبات مع الشيخ المربي إن عثر عليه، وهو البُغيَة النادرة العزيزة. قال الإمام عبد القادر: "فالواجب عليه تركُ مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن. فصاحبُ العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الاعتراض بباطنه متعرض لعطبه.
قال: "بل يكون خصما على نفسه لشيخه أبدا. يكف نفسه ويزجُرُها عن مخالفته ظاهرا وباطنا، ويكثر قراءة قول الله عز وجل: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًَ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ .)(سورة الحشر، الآية:
وزيادة في التثبت والتريُّث يوصي الإمام المريدَ بالتحري قبل أن يتَّهم شيخه. قال: "وإذا ظهر له من الشيخ ما يُكرَه في الشرع، استخبر عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا يَنْفِرَ به عليه. وإن رأَى فيه عيباً ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع. فإن لم يجدْ له عذرا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية.
قلت: إن صحبة الناقص الدخيل في الطريق المتطفِّلِ المحتَرف وَبَالٌ من أصلها. لكنَّ السَّالكَ لا يميز بين الكامل والناقص، وقد تبهَره من الناقص كرامة أو كشف فيتخذه قدوة، ويتجنب الكاملَ الصامت. لهذا يوصي المشايخ العظام بالصبر مع المصحوب المتبوع ولو ظهرت فيه عيوب، فلا يغتَّر المريد بناموس من يظهر الكمالَ تَصَنُّعا، ولا يتعلق بمثاليةٍ تصوِّر له الوليَّ على صورة ملك كريم. فإن "قبة البشرية" مضروبة على الولي الكامل كما هي مضروبة على غيره، ولا تنبغي العصمة إلا للنبيئين والمرسلين.
قال الإمام: "ولا يعتقدُ فيه العصمة. ولا يخبر أحدا به"
وشرح رحمه الله كيف يترقَّى الأولياء من درجة لدرجة، ومن حال إلى حال، ومن ولاية إلى ولاية. فَرُبَّ عيب اطلع عليه المريد من شيْخه أمسِ لم يكن إلا عن غفلة أو حدَثٍ أو ترَخُّصٍ شرعي ترقّى عنها الشيخ اليوم.
ومن وصايا الإمام للمريد بالصبر على بشرية الشيخ وخشونته قوله: "وإذا غضب الشيخ وعبس في وجهه أو ظهر منه نوع إعراض عنه لم ينقطع عنه، بل يُفتِّش باطنَه وما جرى منه من سوء أدب في حق الشيخ، أو التفريط فيما يعود إلى أمر الله عز وجل من ترك امتثال الأمر وارتكاب النهي. فليستغفر ربه عز وجل، وليتُبْ إليه، وليعزمْ على ترك المعاودة إليه. ثم يعتذِرُ إلى الشيخ ويتذَلَّلُ له ويتملَّقُه ويتحبَّب إليه بترك المخالفة في المستقبل، ويداوم على الموافقة له، ويواظب عليها".
وبعد هذا يأتي الإمام عبد القادر بكلام لا يستسيغه عقلُ من لا يفهم مقاصد القوم. ويرفضه، خاصةً من كان شبَحُ الكفر والشرك هاجسَ يقظته ومنامه، يتصورهما في كل من خالف رأيه.
قال رحمه الله: "فيجعله وسيلةً وواسطة بينه وبين ربه عز وجل، وطريقا وسببا يتوصل به إليه.كمن يريد الدخول على ملك ولا معرفة له به، فإنه لا بد أن يصادق حاجبا من حجابه، أو واحدا من حواشيه وخواصه، ليبصِّره بسياسة الملك ودَأبه وعادته، ويتعلم الأدب بين يديه والمخاطبة له، وما يصلُح له من الهدايا والطرائف مما ليس مثلُها في خزانته. ومما يُؤْثِرُ الاستكثار منه".
قلت: هذا ضرب مثل، ولله المثل الأعلى، لأصحاب الحس الكثيف والعقل السخيف ليتعلموا أن المقصود ليس اتخاذ الشيخ صنما كما يعبد المشركون أصنامهم ليقربوهم إلى الله زلفى في زعمهم الضال. لكن المقصود التأدُّب بأدب الشيخ مع الله عز وجل، والاقتداء به في آداب القلب كما نقتدي بالإمام في حركات الصلاة. وما قال أحد إن إمام الصلاة، وهو واسطة وضعها الشرع، صنمٌ حائل بيننا وبين القبلة. الشيخ قِبلة قلبية، ولا حاجة بنا إلى مثال حسيٍّ، ولا نجيد ضرب الأمثال كما يجيد الإمام رحمه الله.
قال: "فليات البيت من بابه. ولا يتَسَلَّقْ من ورائه من غير بابه، فيلامَ ويُهانَ، ولا يبلغَ الغرض من الملك ولا المقصود منه. ولكل داخل دهشةٌ لا بد من تذكُّر ومِنَّةٍ، ومن يأخذ بيده فيقعده موضع مِثْلِه، أو يشيرُ إليه بذلك لئلا تتطرق إليه المهانة، ولا يشار إليه بسوء الأدب والحماقة

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #7
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 7.دراسات في التصوف ، في الأنكفاء

دراسات في التصوف ، في الأنكفاء


اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، أما بعد
كيف أفهم عن الله و رسوله صلى الله عليه و سلم ما أقرأه من أحداث عظام ؟ وقد تحدثنا في المقالة السابقة عن فضائل العقل الذي يتلقى عن القلب الفقه و العلم بضوابط أيمانية مقيدة و مجملة في أطلاقها و تقييدها و مجملها ، تلق لا يجعله متنكبا عن الهدي النبوي ، و لا خارجا عن دائرة الولاية النبوية ، يفعل لايفعل به.
الفعل في التاريخ يرتبط بالأرادة.
وأرادة المؤمن تستنير بالنص ، والنص في حياة المؤمن له دلالة و اضحة ، قبل أن يكون مجرد كلمات متوارثة صحيحة في المتن و السند فهو نور من الله ، وأنوار يتلقاها القلب عن تصديق كامل بجناب النبوة.
ما معنى الأنكفاء وهو تردي في الفردية دون الهمة الجماعية ، وما هو الأمتداد وهو نظير كلمة الأستمداد وهي أيضا حضور و استحضار لحضرة من الحضرات.
يكون انكفاء بحسيب الفرد:
أ.انكفاء في تصور في جناب الألوهية فهذا كفر صريح ككفر الملل الكافرة ، التي تعتقد في الله العجز و اللامبالاة. ويبررون تصرف الأنعزالي كأنها استقالة عن الدنيا و الجنوح الى الخيال و السبح في الماورائيات.والبحث عن الجواهر و الكنه و الماهيات و السفسطائيات.
ب.انكفاء في التصور الأيماني :اعتبار الأيمان في القلب ، وثمرته الروح فقط لا مكان للعمل في الدنيا، وهذا ايمان دون ايمان ، ايمان يثمر قعودا لا يستيقظ صاحبه الا عند ميزاب القدر بعد فوات الأوان.
ج.وهناك انكفاء المريد القاعد عن الجهاد :



(.....لأبي داود - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا قعودا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرالفتن فأكثر فيها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يارسول الله، وما فتنة الأحلاسِ؟ فقالَ: هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كوَرْك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسِي كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذالكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غد -.


نسأل الله ان يعفينا من الفتن ما ظهر منها و ما بطن آمين.).
الفتنة كانت و لازالت الداء الذي لم يجد له المجددون دواءا الى يومنا هذا ، تعالت الصيحات لتوحيد الأمة في عمل جماعي فرفضه الكثير بدعوى البدعة ، ومن الناس من جدد في التربية و التعليم و التزكية و الجهاد ، تجديد لم ينل من اصحاب الرئاسات القبول.
الدهيماء فتنة تستمر لا تقعد ، تنكفئ فيها أرادات عن تدبير الشان العام ، وتمتد في رحاب الكون تسبح في الحقيقة العلية ، وكفى.و تربع نفوس عن الفعل فهي خاملة جامدة لا تفكر و لا تفعل ساهية عن الكون و المكون.
1. في الأنكفاء:
لم تنتج الفتنة الا هذا النسيج المتنوع من الأجتهادات ، كان التدبير اليومي ديدن من سبقونا في الأيمان ، لم يجمد العقل المسلم عن التفكير في الدواء لما أصيب به المسلمون من التفتت عوض الوحدة ، و الشخصية التجزيئية عوض السلوك الكامل ، ومن التربية و التعليم و التزكية الى العزلة و الهروب من المهمة الكونية ، الدعوة الى الله على علم و بصيرة
-انكفاء في فضائل العقل:
من المحاذر أن يتصرف الوراد والمستقبلون إلى إصلاح أنفسهم والتمتع بدفء المودة وجو الصفاء وألفة العشرة فينكمشوا عن الوظيفة الدعوية، ويتقلصوا وينزووا في حلقة مغلقة.
وذلك ضمور في الفهم وعلة في العقل وشلل في العمل. خارج المحضن التربوي لفح مجتمع الكراهية، ونكرات القول والفعل، وتجهم الدنيا وأبنائها وبناتها. فيحجم الوارد والمستقبلون عن اقتحام عقبات خارجية مكفهرة شديدة المراس، ويركنون إلى دعة التقوقع.
أو يتغذون زمانا في منعزلهم بتزكية النفس تلك النفس الزكية المكروهة المنهي عنها في قوله تعالى : ﴿فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى﴾ (سورة النجم، الآية : 31).
التزكية المكروهة المنهي عنها الذميمة هي اغترار العامل بعمله، والمصلي بصلاته، والملتحي بلحيته.
يتغذى المزكون لأنفسهم بغرورهم زمانا سوداويا حتى يغشي أعينهم منظار يريهم الناس جميعا هلكى وهم الناجون، ضالين كلهم وهم المهتدون، كافرين كلهم وهم المومنون.
ويخرجون بعدئذ نقمة على البلاد والعباد.
يتولد هذا الأنحراف من جراء الأجتهاد الغير الكامل ، و نظيرو ما يشرحه لنا الشيخ عبد السلام ياسين ، في كتابه الأحسان حول فهمه لحديث الأحلاس فنجده يقول .....
قَال المعترض المحتار وقد أسر صدمة رؤية أولياء الله الملائكةَ وأرواحَ الأنبياء في نفسه: "إن كان للصوفية فيما مضى داع لاصطناع مصطلحات متخصصة كما فعل علماء الفنون الأخرى، فما بَالُ الصوفية، كانوا ولا يزالون، رَمزاً للخمول والهروب من الواقع والانكماش والدروشة؟ وإن زعمتَ أنك تريد تجاوز التصوف كمذهب ومدرسة وأسلوب تربية فهل يمكن شيء من ذلك إلا بنبذ المذاهب جملة، والإعراض عن كل شيء سوى الكتاب والسنة؟".
فأقول وبالله التوفيق : إن الله جلت عظمته يقول: (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيما.ً دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً.(سورة النساء، الآيتان: 95–96).
أي شيء ألجم تلك الإراداتِ القوية والهمم العلية عن غشيان ساحَات الوغى، وعن مناصرة القرآن في وجه السلطان لما اختصم السلطان والقرآن؟ أولئك الذين كانوا يُرَقِّقون الدمعة ويُعَفّرونَ الخد علىباب الملك" لماذا لم يُرِيقوا دماءهم في سبيل الله كما أراقها أصحاب المجد السامق الصحابة الكرام؟ هل كان لهم من عذر؟ وهل ينفعهم العذر عند الله فيدركوا وهم في ركن الخلوة مراتب المجاهدين؟
عذرهم أوامِرُ نبوية صريحة، أطلع الله عز وجل نبيه الكريم على مستقبل الأمة، وجاء في الأحاديث الصحاح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بكل ما يحدث بعده إلى يوم القيامة. فأنساهم الله تعالى تفاصيل ما أخبر به، وأسدِلت سجُفُ الغيب، لتبقى لكل جيل مسؤولية الكسب والاختيار.وكان من النصوص التي لم ينسَها الصحابة وورَّثونا إياها أحاديث تأمر بالانعزال عن الفتنة ،نسْرُدُ بعضها:
أخرج مسلم وأبو داود عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتن. ألاَ ثُم تكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها. ألا فإذا نزلت، أو وقعت، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه". فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: "يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحَجَر، ثم لِينْجُ إن استطاع النَّجاءَ. اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟". قال: فقال رجل: يا رسول الله! أرأيت إن أكرهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بي إلى أحد الصفين، أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: "يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار".وأخرج أبو داود عن وابصة الأسدي أن ابن مسعود حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ستكون أيام الهَرْج أي الفتنة والقتل وأوصاه إن أدركه ذلك الزمان أن يكف لسانَه ويدَه، وأن يكون حِلْساً (حصيرا من أحلاس بيته.
وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عمر خرج عليهم يوما ليحدثهم، فسأله رجل عن الفتنة وعن قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فقال ابن عمر: "وهل تدري ما الفتنة ثَكِلَتْكَ أمك؟ إنما كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنةً، وليس كقتالِكم على الملك". وأخرج الإمام أحمد أن ابْناً لِسعد بن أبي وقاص جاءه وقت الفتنة بين علي ومعاوية يريده على الخروج، فقال: "يا بُني! أفي الفتنة تأمرني أن أكون رَأسا؟ لا والله! حتى أعْطَى سيفاً إن ضربت به مؤمنا نَبا عنه ،لم يجرحه) وإن ضربت به كافرا قتله". الحديث.
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أو ابن عمرو قال :شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حُثالة من الناس أراذلهم، قَدْ مَرِجَتْ (فسدت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا!" قال :فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال :تأخذ ما تعرف، وتدع ما تُنكر، وتُقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم.
هكذا تأصل في الأمة منذ الفتنة الكبرى إِثْرَ الخلافة الراشدة مذهبُ الانعزال والإقبال على خاصة النفس، وترك الأتقياءُ الأخفياء الأبرياء الناس يتقاتلون على الملك. هكذا انسحب أهل الفضل من ساحة السلطان ليحافظوا في مدارس العلم ومجالس الحديث وخلاوي الذكر على لب الإسلام وجوهره وكلمته. ولئن جلس المفتون للعامة يفصلون القضايا، وجلس الفقهاء للتعليم العام، فإن الصوفية انصرفوا في عزلتهم إلى تربية الخاصة من المريدين يورثونهم تلك الأمانة التي تنزل في جذر قلوب الرجال كما قرأنا في حديث الشيخين. جاء حديث :تنزل الأمانة في جذر قلوب الرجال « عند البخاري في " باب الأمانة «. والأمانة لازمة من لوازم الإيمان، لا تتساكنُ في جذر القلوب مع النفاق. فنفهم نزولها في القلوب نزولا للإيمان فيها واستقراراً.
وبقي العلماء أمناء على أمانة الإيمان والعلم، بمعزل عن العامة وعن السلطان كما أوصى بذلك هذا الحديث الشريف الذي أخرجه الحسن بن سفيان والقضاعي وابن عساكر عن أنس بإسناد حسن :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العلماء أمناء الرسل، مالم يخالطوا السلطان ويداخلوا الدنيا. فإذا خالطوا السلطان وداخلوا الدنيا فقد خانوا الرسل فاحذروهم.)
ليس جنس علماء القصور جنسا محدود النسل في تاريخنا، لكن الأمة لم تثق في كل عصر إلا بالأتقياء الأخفياء الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إن أغبط الناس عندي لمؤمن خَفيفُ الحاذِ خفيف الظهر من تكاليف العيال، ذو حظ من الصلاة، أحسنَ عبادةَ ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك. عُجّلت منيته، وقلت بواكيه". رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح .
هذا النموذج الغامض الخامل في الناس، المنصرفُ لخاصة نفسه، نموذج نازل عن درجة الأصحاب المجاهدين، ما في ذلك شك. لكن الفتنة التي عاشتها الأمة تقوم له مقام العذر. قال المفسرون في قوله تعالى : لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ.) (سورة النساء، الآية: 95): الضرر: العُذر. وجاء عند البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزاة فقال: "إن أقواما بالمدينة خَلْفَنا ما سلكنا شِعبا ولا وادياً إلا وهم معنا فيه، حبسهم العذر".
مَن حبسه العذر عن الجهاد حُسِبَ عند الله كمن حضر الجهاد، ولو بقي في خلوته غامضا خفيف الحاذ متجردا. ذلك إن كانت نفسه تحدثه بغزو وجهاد، وإلا مات على شعبة من نفاق كما جاء في الحديثمن مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق"أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
فيما نستقبله بحول الله من أيَّام ازدهار الإسلام ارتفع عنا العذر فلا مكان بين الأخيار بعد للغامض الخامل. يكفي أولئك الأخفياء أمناء الرسل شرفاً في الدين أنهم حافظوا لنا على بذور الإيمان حتى أورثوناها رحمهم الله.
رَفَع عنا العذرَ وفَتَح لنا أبوابَ الجهاد والاجتهاد إخبارُ المصطفى أمين الوحي صلى الله عليه وسلم أنها ستكون خلافة ثانية راشدة ينهض بها إخوانه على منهاج النبوة والخلافة الأولى بعد أن يَنقضي زَمان الملك العضوض والجبري الذي قضى به الله في سنته الأزلية، ونزل به القدر بعد ثلاثين عاما من وفاة الرسول الكريم، وكسَبَت أيدي الناس وقُلوبهم ما كسبت من إثم في خوض فتنه، وسفك دمائه، وتأجيج ناره، واعتلاء كراسيه.
روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت".
سكن الصوفية الكرام في أرض الخمول، واستكانت الأمة للسيف زمانا. وكأننا بعد أن أفقنا على صيحات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأصحابهم رحمهم الله أصحاب كهف يغطون في نوم عميق. وكأنّ الإسلام في هَبّته منذ قرن وفي صحوته منذ سنوات وافدٌ جديد طارئ وجد المكان تحتله ذهنية الخمول الموروثة، وتحتله اللاييكية التي كان الشيخ رشيد رضا رحمه الله يسميها:المقالة الإبليسية".المساجد في دار الإسلام مزدحمة، ومكة في موسم الحج والعمرة مكتظة بالمسلمين، لكن إسلام المسلمين بمثابة بناء فوقي مهزوز في الهواء.والقاعدة المتمكنة في الأرض، لا تزال، هي العض والجبر أعتى ما يكونان. ولطالما.التمسَ ذَراري المسلمين المغربون من "صيدلية الغرب" حلولا لمشاكل الأمة في علب اللبرالية والاشتراكية والثورية، فخابوا ولم تقم لهم في الأرض قائمة دائمة.
فآن لنا أن نستمد من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة مادة الحياة كما استمد الصحابة. لكن قلوبنا خاوية من الإيمان، وهم رضي الله عنهم أوتوا بصحبة خَير الأنام الإيمان قبل القرآن. فماذا في صيدلية السادة الصوفية من علاج للقلوب؟ وهل نحتاج لهذا العلاج؟ وهل يمكن أن نقتبس منهم دون أن نتقيد بأسلوب الغموض والخفاء؟ وهل يمكن قبل كل شيءٍ أن نثق بتلك الصيدلية التي ثار حولها الجدل وأوسعها الناس تشهيرا وتكفيرا؟ ما في وُسْعنا أن نتخَفّف من الحاذ ومهمات إقامة الدولة الإسلامية أمامنا في عصر عَجَّاج ثَجّاج متَلاطم الأمواج. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (سورة البقرة، الآية: 134).
فاتَ أوان التعَذّر والاستعذار، ودفعت الأمة ثمنا فادحا، ولا تزال تدفع، للسكوت عن الظلمة. وكان مراد الله عز وجل أن يتحمل كل جيل مسؤولية التقدير لما هو أوفق وأرفق. والرضى بما فات ومضى وانقضى جزء من عقيدة المؤمن. واكتمال الإيمان في حقنا أن نبذل الروح في طلب المنزلة الشامخة التي نوَّه بها قوله تعالى: لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ( (سورة النساء، الآية: 95).
نَسَائمُ القرب من الحبيب استروحها الأصفياء الأخفياء أهل الله الذاكرون لِلّه في خلواتهم قرونا.ونحن بعونه وفضله ومنته نستروحها تحت غبار النَّقْع وتحت ظلال الرايات الخفاقة للقومة الإسلامية بجهاد متعدد الجوانب ميادينُه تسمى "تحررا" وتنمية" وتصنيعا" وبناء للوحدة، وإتقانا للعلوم الكونية، وحملا للرسالة إلى العالمين).
هكذا تولد في سلوك الأمة سلوك القاعد المستقبل وهي فضيلة فردية لكن الهمة تسمق الى النموذج النبوي الخالد ، النموذج الذي يربي بالهمة و التأثير و بالمد الروحي و التدبير الكوني.
كان أولياء الله أمثال الجنيد و العز بن عبد السلام و الشبلي و السري و السقطي و ابراهيم ابن أدهم يتورعون في الذمم لم نقرأ عنهم في كتب التراجم عن نزعاتهم الشخصية ، و لا عن استعمالهم للروحانيات في غير موضعها ، و لاسيطرة للهوى و النفس.
كان الشرع بهم وفيهم و لغيرهم لا يحيدون عنه قيد أنملة.
فكيف ندعي اننا نبحث عن التجديد في رجل واحد نريده في العالم ، الرجل الواحد الموصوف هو من كان محل نظر الله في خلقه لا تزيغ به نفسه في التسلط على رقاب الناس ، واستعبادهم لشهوته ، بدعوى الخصوصية و العلم الذي يعلمه له خير البرية صلى الله عليه وسلم.
لم نعهد فيهم قص الرؤى فقد كانوا يستحيون من ذكر كراماتهم للخلق تأدبا معهم و حياءا من الخلق.
من يبحث عن الرجل يجد أوصافه في كتاب ختم الأولياء ، سلطان الأولياء و أمين صحيفة الأولياء و كلها اصطلاحات قلبية روحية لا توحي الا بالحق.
تقرأ عن سر الرجل الواحد الممد للكون بالبركة الكونية تعرف أننا أمام مستقبل جلل ، لا حاجة لنا لأهواء الرجال بدعوى الخصوصية.
-انكفاء الأرادة:
تتوارى الأرادة في سجنها الدامس ان كان العقل غارقا في سيطرة الهوى و ذل عبادة النفس و تزكيتها دون أذن ربها.
المؤمن الصالح المربي سمته القيام بوظيفة التربية و التزكية ،
اتساءا بالحبيب صلى الله عليه وسلم
لم تقتصر مهمة النبي الرسول على حمل الرسالة وتبليغها شفويا كما يتصور بعض العابثين ممن يستهين بمقام النبوة العظيم ومهمة الرسول الفخمة الضخمة حين يشبه الرسول بساعي البريد أدى الأمانة وانتهى واجبه بإيداعها.
يتحمل الرسول مهمات عديدة أهمها ما نقرأه في قوله تعالى : ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ (سورة الجمعة، الآية : 2).
فهذان مؤهلان في الرسول، كونه مبعوثا من لدن المولى جل وعلا، وكونه منهم. كونه بشرا مثلهم، وكونه عربيا ينطق بلسانهم ليبين لهم، وكونه أميا مثل عامة الناس، لا يتميز عنهم بمعرفة مكتسبة مثل قراءة ورقة بن نوفل للعبرانية وكتابته من الإنجيل، إذ لو كان معه علم من علوم أهل الكتاب لاتهم بأنه ناقل مقلد. وقد اتهمه بالفعل طائفة من المعاصرين له فقالوا : ﴿إنما يعلمه بشر﴾ (سورة النحل، الآية : 103)، واتهمه مستشرقو هذا العصر ومستغربوه.
مؤهلان اثنان أساسيان ضروريان أن يتكاملا ليقدر الرسول على توصيل الرسالة وعلى التأثير التربوي القائم على القدوة والمثلية.
بشر يوحى إليه. مؤيد بعد ذلك بالمعجزات والتوفيق والبركة والنصر من عند الله.
وتشير الآية إلى أربع وظائف أساسية، هي : أنه يتلو عليهم آيات ربهم، ويزكيهم ويعلمهم الكتابة، ويعلمهم الحكمة.
تلاوة الآيات تبليغ مادي آلته اللسان، وتبليغ بالإقناع لصدق المبلغ ينضح بصدقه نبرة صوته، وخشوعه وبيان ما يتلوه وإعجازه، ثم طاعته لما يوحى إليه، وبيانه للغامض منه على أفهام السامعين، وتفصيله للمجمل، وتخصيصه للعام. وكل ذلك وحي لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى.
وتزكية هي : "التطهير والنماء ببركة الله تعالى" كما قال المفسرون.
ثم التعليم العلمي المعرفي والتطبيقي.
يعلمهم الكتاب، يعني أنه يعلمهم الأحكام الشرعية.
يعلمهم الحكمة، يعني الكيفيات العملية التطبيقية التفصيلية. الحكمة "معرفة الموجودات وفعل الخيرات وإصابة الحق بالعلم والعقل".
مجموع هذه الوظائف يؤول إلى صفة واحدة هي صفة المربي المعلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين سألوه يوما عن الطهارة من الخبث : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم".
والد يعلم. مرب معلم. الوظيفتان معا مندمجتان غير منفصلتين. حنو الوالد وحبه وحرصه على النفع ووفاؤه وأمانته وتفانيه، ثم الكفاءة والقدرة والعلم الواسع، والصبر على المتعلمين والتنزل لهم حتى كان يعلمهم أخص خصوصيات الإنسان مثل طهارة الخبث. علم واسع أتاه وحيا. وحكمة بشرية ومروءة وفطنة.
لكن حينما اتخذ المؤمن العقل كسياج للعلم دون التربية و الذكر تولد عنه مانرى.
3.العقل القرآني:
يكثر أن يتجادل خصوم الإسلام وأصدقاؤه والمومنون بالله في مكانة العقل في الإسلام، يطعن الأعداء في أصل الدين من كونه مناقضا للعقل، ويَدْفَعُ أصدقاء الإسلام من حيث كون التخلف العقلي راجع إلى تخلف المسلمين لا إلى الإسلام الذي أشاد بالعقل. ويقف المومنون مواقف متباينة مختلطة يغلب منها الموقف الدفاعي الممجِّد للعقل. ولا يقف المتجادلون ليسأل بعضهم بعضا عن أي عقل نتحدث.
وكما أن لفظة "علم" اكتسبت قدسية في قاموس الحضارة المادية الطاغية المعجبة التائهة بثمرات العلم، فكذلك لفظة عقل. العلم إذا أطلق في عصرنا فهو علم الأكوان من رياضيات وفيزياء وكيمياء وميكانيكا وكهرباء وإلكترونيات وما إليها. والعقل إذا أطلق فهو الآلة التي صنعت النظام العقلاني والمنهجية العلمية الاختراعية.
في حضارة الحواسِّ واللذة التي فَقَدَت منذ تنكرها للدين ورفضها له وجحودها بوجود الخالق جلّ وعلا كلّ إشارة إلى معنى وجود الإنسان وغايته ومصيره بعد الموت تحتل كلمتا "علم" و"عقل" صدر طابور القيم الصنمية الحضارية مثل "تنمية" و"اقتصاد" و"تمويل" و"اختراع" و"مواد أولية" و"سوق" و"استهلاك" و"تقدم" و"إحصاء" و"دخل فردي" و"مستوى معيشة" إلى آخر القاموس.
في حديثنا عن العقل ومرتبته في قاموس الإيمان والإحسان، قاموس القرآن، لابد أن نحدد أولا، انطلاقا من القرآن ورجوعا إلى القرآن معنى "عقل". بعد ذلك يسهل أن نُدرجه في مكان وظيفته حيث يشغل مكانته في حياة المسلمين.
العقل الذي تحدث عنه القرآن وأشاد به وعدَّله واستعمله شاهدا موثوقا لايكذب ليس هو العقل الصنم الذي يقرر من داخل منطق الكفر المادي ويمرِّرُ ويُعرف ما هو الحق من الباطل. بل هو العقل الذي يتفكر في الخلق، يتفكر في أن لابد للصنع العجيب الذي تشاهده الحواس من صانع. هذه واحدة. الثانية أن هذا العقل المُشادَ به في القرآن هو الملَكة التي يستدل بها المتفكرُ، اعتمادا على مسَبَّقات مغروزة في الفطرة، على أن هذا الصنع العجيب لا يمكن أن يكون صانعه الضروري عابثا. الثالثة أن هذا العقل يتدبر القضية الأولى والثانية ليستنتج منها نتيجة وجودية لا نتيجة فكرية منطقية باردة. يستنتج العقل المحمود في القرآن اهتماما حميما بالمصير الشخصيّ بعد الموت لأن الموت من المعطيات الكونية العامة المندرجة في النظام العجيب، المثيرة أكثر من غيرها للسؤال المحوري: هل كل هذا عبث؟
هذه الخصائص الثلاث هي المذكورة في قوله عز وجل من آخر سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الآية) سورة آل عمران
طلب أولي الألباب العاقلين لربهم عز وجل أن يقيهم عذاب النار جاء بعد مرحلة الاقتناع بأن لابد لكل صنعة من صانع، ومرحلة الاقتناع الفطري بأن كل صنعة لابد أن يكون لصانعها غاية من صنعها، ومرحلة الهم بالمصير بعد الموت الذي هو ألزم لوازم كل حي. جاء طلب الوقاية من عذاب النار استفادة من السمع الإيماني. عجز العقل الراشد المتدبر الحكيم عن معرفة كنه الصانع والغاية من الصنعة والمصير بعد الموت فلجأ إلى مصدر خارج عنه يَستقي منه العلم.
لجأ العقل الراشد إلى شخص جاءه بحجة دامغة مقنعة أنه أقوى وأقدر وأعلم. هذا الشخص هو الرسول المؤيد بالمعجزة، المخبر عن الخالق، المجيب عن الأسئلة الوجودية،المنادي للإيمان.قال العقل الراشد منيبا إلى الله بعد أن أعياه فهم المبادئ والغايات: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا سورة آل عمران، الآية191.
أما العقل المتكبر فهو العقل الفلسفي الذي استمر في تخميناته فقدَّر ونظَّر وتقدم وأدبَر فأثبت وجود الخالق أو نفاه، وأثبت له سبحانه من عنده افتراء وظنا سيئا ما شاء من الصفات وسَلَبَ. وعاش هذا العقل الفلسفي في نسجه العنكبوتي يشيِّد منظومات ويقوض أخرى، ينتقد اللاحق ما قاله السابقُ، وينتقد نفسه وإفرازاته، ويتطور في صور "علم النفس" و"علم الاجتماع" و"علم التحليل النفسي" و"علم التاريخ" وسائر ما يسمى بالعلوم الإنسانية.
عقل ثالث حديث الميلاد هو العقل السفيه الجبار، جمع بين خصلتين كفيلتين بتدمير الأرض وساكنيها، عقل الاختراع والصناعة والفاعلية والتنظيم. هذا العقل السفيه هو صنم العصر ومطلب أصدقاء الإسلام والناطقين من المومنين.
هذا العقل يُخَيَّل للمتجادلين في العقل أنه هو الحقيقة الوسطى في التنزيل الحضاري، وأن لا مناص من أخذه كما هو سندا مُطاعا معبودا. إذا كان في إسلامنا ما لا يتنافى مع "العقل" فلا بأس من التخفف من بعض أعباء الغيبية كأن نترجم الجن إلى لغة المكروبات، وأن ننكر المعجزة والكرامة، وأن نبقي الوحي ولوازم الوحي في ركن ساتر لكي لا تفضح غباوتَنا أنوار العقل.
العقل القرآني واقف على عتبة القلب، خادم مطيع، سامع لنداء المنادي للإيمان، تائب مستجير بربه عز وجل. نظر في الكون نظرتين فرجع خاسئا حسيرا كالاّ مهزوما لما هالهُ من عظمة الخلق الدالة على عظمة الخالق. قال الله تعالى : )تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ. ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ )سورة الملك، الآيات الأولى.
ونَظَرَ العقلُ الراشد إلى نفسه وضآلتها بإزاء الكون وفنائها فازداد إيمانا، بينما لا يزداد العقل السفيه إلا طغيانا كلما توغل في كشف السماوات والأرض. قال الله تعالى يخاطب العقلاء السفهاء : )أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ )سورة الأعراف، الآية أسكتَ العقلُ السفيه في عالمه سؤال اقتراب الأجل وانطلق على هواهُ و"موضوعيته العلمية" يسبح في الفضاء على متن صواريخه، أُفُقُه العشرون مليارا من السنوات الضوئية التي بلغها حسُّه الصناعي حتى الآن. ويفتح الله عز وجل بلاءه على من يشاء.
إن ترشيد العقل شرط مسَبَّق على كل عمل لتحوير الحضارة المادية إلى عمارة استخلافية. وإن مكتسبات العقل المخترع ليست سفاهة إلا إن استُعمِلت لأهداف سفيهة. ولا يجدي شيئا أن نحاور العقل المتكبر الفلسفي ولا العقل السفيه المخترع لنُلزمهما بحجة الإيمان ماداما لا يقبلان التحرك إلا في حدود منهجيتهما الممسوحة الممسوخة، لم يبق في منهجيتهما مكان لفطرة الاستدلال بالصنعة على الصانع، ولا لرفض أن يكون هذا الكون المحكم النظام عبثا، ولا لهمِّ المصير بعد الموت.
العقل الجبار والعقل السفيه يعتبران أن التكوين السليم والنظام السليم هو العقلانية الموضوعية الوضعية النفعية. الحديث معهما عن الغاية والمعنى ترفٌ فكري. وانفتاح أقطار السماوات والأرض في وجههما لا يرجعهما إلى شيء من الحسرة والانحسار بل يزيدهما غرورا وتوغلا في المجهول المعلوم. علما وتعلّما الجواب عن الكيف والكم. وأصرا ويُصران عتوا واستكبارا على أنه لا إله ولا غاية ولا شيء بعد الموت.
لا يمكننا أن نقول للعقل المخترع الصانع المنظِّم السابح في الفضاء: "قف حتى نحاورك لتطيعَ وتذعن". الراشد الهزيل لا يُسمع له. يُرفض ما معه من الحق مع ما فيه من هزال. ولابد لنا من مباراة العقلانية وتحريرها من إلحادها، وترويضها، وغَنْمها، واكتساب العلوم والتكنولوجيا، وتوطينهما، والمساهمة في توجيههما، والتحكم فيهما لأهداف خير الإسلام وبر الإسلام. ومن مرتفع النماء والكَفَاء وعمارة الأرض تكون لنا جولات حوارية مع العقلين التائهين. المهمة مهمة عملية تتوقف على الإرادة السياسية، ليست مهمة جدل وحذلَقة.
نسال الله أن يرحمنا آمين.

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #8
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 8.دراسات في التصوف، في العلم و الجهل بآداب الطريق

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد و على ىله وصحبه ، أما بعد
يمنع الأنسان من الأرتواء من معين العلم المنيف سوء أدبه مع من خصه الله بولايتهم.
يسميها أهل الله بالحجب المانعة على بلوغ القصد.
ومنها العلم بآداب الطريق و الجهل باسرارها.ومنها العلم باسرار الطريق و بالمقابل تكذيبها.
واشدها العلم الذي هو عين الجهل.
هنا مفارقة يتعلق بها العبد ، أن هذا العلم ليس بفرض عين لا يمكن لجميع الخلق أن يكونوا أولياء
فالولاية انتساب.
واللأنتساب في الدنيا أحزاب و جماعات و دول ، وهو أيضا انتساب و انقياد و تسليم ، وغياب احدها دون وجود الآخر أعتلال في الكون و أختلال في الوجود.
فأن اندرس هذا العلم المنيف فليس الا بسبب قلة الطلب عليه. و الأنتساب في ميزان الشرع أما أن تكون وليا لله أو وليا للشيطان.
أ في فضائل العقل:
يعد العقل من شروط آداب الطريق ، فكمال العقل من شروط كمال الآدمية ، لايستطيع المجنون و المخبول و المجذوب أن يسر في الطريق.
فالأول سلب قدرة التمييز و الثاني تختلط عليه الحقائق و الثالث في حالة سكر دائم في حضرة الحق ، ومن ثم تسقط تكاليف الطريق في شأنهم لأستحالة الوعي و فقدان الذاكرة.
يتلقى العقل المرحوم حكمته من القلب المرحوم بذكر الله ومن هنا كانت احدى مقولات اهل الطريق الغير المفهومة عند البعض: الذكر يولد الفكر.
فكيف يولد الذكر الفكر؟ ، يقول الشيخ عبد السلام ياسين في كتابه محنة العقل المسلم.....
العقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب. العقل تلق لحقائق الوحي بواسطة القلب.
والفقه في القرآن علم ينشأ في باطن الإنسان في قلبه.
والتفكر حركة قلبية تتدبر الكون استدلالا على الله.
هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتأله، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات.
وكمال العقل الآلة أن يخدم القلب وتطلعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون. وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتى له معرفة إلا باستماعه للوحي.
ذكرت مادة "قلب" في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة. ما منها لفظة تنصرف للعضلة الصنوبرية اللحمية.
وذكرت في القرآن مادة "عقل" خمسين مرة ما منها لفظة تدل على الآلة المشتركة.
وذكرت مادة "فقه" عشرين مرة، ومادة "فكر" ثمان عشرة مرة. كل ذلك دلالة على الوظيفة القلبية الإيمانية.
يأخذ العقل الآلة علومه عن الكون بواسطة الحواس، وبواسطة البديهيات الفطرية، ثم بواسطة المنطق الناشي، لديه من استقراء الثابتات والمترابطات والمستلزمات.
ويأخذ العقل الكامل عن الوحي ما هو من عالم الغيب، وعن المدارك المشتركة ما هو من عالم الشهادة.
يحدث للعقل المومن بالله المصدق للوحي عور إذا أغمض عن المدارك المشتركة، وعجز عن التعلم من الكون، وترك آلته للإهمال والصدإِ. فيفوته ركب الحياة الدنيا، ويقعد مع القاعدين العاجزين.
وذلك نقص من حقه، وقصور عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأن الله سخر لنا الكون وأمرنا أن نسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد، وكل ذلك ممتنع إن لم نسخر بإرادتنا واجتهادنا وتعلمنا هذه الآلة العجيبة المسماة عقلا.
ويصيب العقل المشترك، الآلة عاهة العمى الكلي. لا يبصر معها البصر المعتبر على أفق الأبدية وهو البصر بالله وبأمر الله وبالدار الآخرة وما يسعد الإنسان هنا وهناك.
يصيب الشلل والعجز في الدنيا العقل المومن إن أغمض إحدى عينيه وأعرض عن الاكتساب في حلبة النظر العلومي الصناعي التدافعي الجهادي جنبا إلى جنب مع العقل الآلة المشتركة.
ويضل العقل الأعمى المعرض عن الوحي فلا يهتدي سبيلا إلى الغاية الوحيدة المعتبرة على سلم الأبدية والخلود في الجنة أو النار. لا يهتدي سبيلا إلى سعادته الأخروية وإن كان بصيرا بسبل رخائه المادي في الدنيا.
ذكرت مادة "عمى" في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة، منها ثلاثة ألفاظ تدل على عمى الحاسة في الرأس. وثلاثون لفظة للدلالة على عمى القلب.
هذه الحواس المشتركة من سمع وبصر تنغلق مسالكها وتنحبس، وتتعطل وظائفها، فيسمع السامع وهو غير سامع، وينظر وهو لا يهتدي.
ذلك حين يحول كفر الكافر بينه وبين ضوئيات الوحي، ويقطع الشك مواصلاته مع مصادر السمع.)
لا يمكن للولي المربي أن يكون مسلوب العقل ، كا يستحيل على المريد أنيتلقى الحككمة العقلية و الرحمة القلبية من غائب حاضر ، فمثل هذه التربية لا تنتج الا الأحوال و الوارد الذي لا يستطيع أن يزنه الشيخ و لا المريد لغلبة الفناء عليهم.
الجمع بين الفضيلتين واجب لمن طلب الكمال.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين شارحا أحدى أصول العشرين للشيخ البنا رحمه الله في فقرة طلب الكمال من خصلة الذكر ....ا أشار إليه الشيخ البنا رحمه الله من النور والحلاوة والإلهام والكشف والرؤى الصالحة عطاء يخص الله به من يشاء من عباده المؤمنين الذاكرين السالكين طريق الحق. ومنتهى كل ذلك الفتح الأكبر الذي يحصل لأولياء الله. وهم درجات والفتح درجات. نترك الحديث في هذا لفحل من فحول الأولياء، هو الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله.
قال رحمه الله يصف حال المفتوح عليهم : من قوي إيمانه وتمكن في إيقانه رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز وجل به من أمور القيامة. يرى الجنة والنار وما فيها. يرى الصور والملك الموكل به. يرى الأشياء كما هي. يرى الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها. يرى الخلق كأنهم قبور يمشون. وإذا اجتاز القبور أحس بما فيها من عذاب ونعيم. يرى القيامة وما فيها من القيام والموافقة. يرى رحمة الله عز وجل وعذابه.
ارجع لهذا الكتاب لتسمع واحدا من مؤمني الأمة يحدثك بما فتح الله على قلبه. ولا تخلط وتسيء الفهم، فالفتح رؤية قلبية بحاسة يفتحها الله في القلب. ولا تظن أنك ترى كل ذلك بحاسة الشحم. فتح الله لنا ولك.
ارجع إلى كتاب حياة الصحابة للشيخ يوسف الكاندهلوي لتقرأ ما كان يحدث من فتح لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما أتينا بشهادة رجل متأخر زمنا عسى أن تستيقظ هممنا لنطلب إلى الله عز وجل كمال ذواتنا.
والمؤمن الرشيد إن عثر على ولي مرشد يسلكه وعورات الطريق لا يسأل الله الفتح طلبا لحظ نفسه و الكرامات. إنما يطلب من الله أن يغفر له، ويرفعه في درجات القربة ويعطيه كمال الإيمان والإحسان.
فإن الفتح كرامة، والاستقامة إلى الله هي مطلوب القوم. ورحم الله الشيخ البنا فقد حذر من مزالق الاعتماد على الكشف وسائر المظاهر النوارنية التي قد تتماثل في شكلها مع المظاهر الشيطانية حتى لا يميز الجاهل بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان. ) .
نقف هنا أمام مقولة خطيرة يستغلها أدعياء التصوف في استغلال عقول الناس ، و سلب أرادتهم و أستعبادهم ان تكون بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغسال).
الجملة تفيد اقصاء العقل ، و موت ارادة ، و سلب للحرية. ومن دلالاتها أن يكون المريد لا يتصرف في شان نفسه المادي و الأجتماعي الا بمشورة الشيخ.
كان هذا في سلوك الأوائل لما كان الشيخ شيخا ، والمريد مريدا ، والتصوف حق ليس لقلقة لسان و رقص في المواسم و التشدق بأشارات أهل التحقيق.
كان الشيخ يتورع فى الأموال و النفوس و الذمم، لكن التصوف اليوم شيخ ترابي و مريد راقص و علوم مشبوهة.
من الحماقات التي تقرأها أحيانا ما يقع في الزوايا من استغلال النفوذ من طرف الأحفاد الطينيين للشيخ الترابي الراقد ، فتجمع الأتاوات و لا تنفق الا فيما بشتبه به من حاجيات العائلات الشريفة المصونة ، يرقد في خذمتهم أقوام استعبدنهم محبتهم للشيخ المرحوم .
كان أهل الله في تربيتهم يربون المريد على قول الحق ، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، ويصقلون شخصية المريد لتكون خاذمة للحق لا للهوى و النفس و الشيطان.
نقف مع سلوك الأمام الغزالي قدس الله أسراره ،
سبق الغزاليَّ في مضمار السلوك أجيالٌ من الزهاد والصوفية في البصرة والكوفة والعراق وجبال لبنان، وكتب في "علوم الآخرة" قبله أمثال الحارث المحاسبي والحكيم الترمذي وخصوصا أبو طالب المكي. وسبقه إلى طرح الدنيا والإقبال على الله عز وجل أمثالُ إبراهيم بن أدهم الذي كان من أبناء الملوك فتزهد وتصوف وسلك طريق القوم حتى أصبح من المشار إليهم بينهم.
لكن امتازَ أبو حامد بأنه أول فقيه شهير طرح شهرته ودنياه الواسعة ودخل في صف القوم حتى تعلم علمهم، وهو الفارس المغوار الشديد الصولة، ثم خرج على الناس بفقه السلوك مقَعَّدا مرتبا. فَكان لكتاباته، ولا يزال، الأثر البالغ في تعليم الأجيال من بعده. خاصة لكتابه "الإحياء" الذي قيل عنه: "من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء". واختلف بعض الناس في تقويم الإحياء، فأحرقه علماء المغرب بعد وصوله. ورد عليهم ابن السبكي بعد نحو قرن ونصف بعد أن رحب بعودة المغاربة إلى تبجيل كتب الغزالي فقال: "وأين نحن ومن فوقنا وفوقهم من فهم كلام الغزالي أو الوقوف على مرتبته في العلم والدين والتأله!. وقال: "لا يعرف أحد ممن جاء بعد الغزالي قدر الغزالي ولا مقدار علم الغزالي، إذ لم يجئ بعده مثله. ثم إن المُدَانِيَ له إنما يعرف قدره بقدر ما عنده، لا بقدر الغزالي في نفسه".
ثم برز لمحاربة فكر الغزالي على مستوى عال من المبارزة شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان جل ما أخذ عليه ورَدَّ مدسوسات دسها عليه الأعداء والحساد كما شكا الغزالي ذلك في إحدى رسائله فقال: "هاج حسد الحساد، ولم يجدوا أيَّ طعن مقبول غير أنهم لَبَّسوا الحق بالباطل وغيروا كلمات من كتاب "المنقذ من الضلال" وكتاب "مشكاة الأنوار"، وأدخلوا فيها كتاب كفر".
كان الغزالي قبل خروجه في طلب شيخ يُسَلِّكه عالم خراسان والعراق. وكان له في بغدادَ صولة وجاه عظيمان. قال معاصره العارف به عبد الغافر الفارسي: "وعلت حِشْمَتُه (ثروته وأبهته ومكانته الاجتماعية) ودرجته في بغداد حتى كانت تغلب حشمته الأكابر والأمراء ودار الخلافة". ثم زهد في ذلك كله. قال: "وسلك طريق الزهد والمِثَالَة، وترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة للاشتغال بأسباب التقوى وزاد الآخرة. فخرج عما كان فيه".
هذه الهجرة من الدنيا ورئاستها في طلب الله عز وجل هي بداية طريق كل صادق، يَجْفُل مما هو فيه ويَعَافُه وتستولي عليه فكرة الطلب. نقرأ هذه الخطوة في سلوك الغزالي العملي قبل أن نقرأها في مكتوباته. سَمِّها يقظة وإرادة.
الخطوة الثانية الضرورية هي طلب الدليل على الله عز وجل الولي المرشد. وقد خطاها الغزالي بنفسه قبل أن يكتبها. قال عبد الغافر: "وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق وتحسين الشَّمائل(...) والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشُمُّ منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة".
تلا هذا الاختلاط بالصالحين، وقد تَزَيَّا بزِيِّهم الخشن بعد لباس "الحشمة" وجَهَازِها، البحْثُ عن رجل يَقتدي به ويُسَلِّكه، حتى لقي الشيخ الفارمدي. قال عبد الغافر: "فابتدأ بصحبة الفارمدي وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه". والفارمدي تلميذ من تلامذة الأستاذ القُشيري الشيخ الجليل.
إن امتثال حجة الإسلام لشيخ الطريقة وبحثه عنه قبل ذلك هو في حد ذاته أكبر درس عمليٍّ لطلاب السلوك. فالصحبة هي نقطة البداية وشرط الاستفتاح. هي المفتاح وكفى. وهذا ما يؤكده أبو حامد رحمه الله في كتاباته بعد أن عاشه وسجله تاريخُهُ الحافل.
يحدد حجة الإسلام للشيخ المصحوب وظيفتين، ويشترط في أهليته شرطا أساسيا. الشرط الأساسي هو أن يكون الشيخ قد تعلم بالصحبة من شيخ أخذ عن شيخ صحب من صحب... إلى أن ينتهي السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا شرط جوهري ينفيه ويتجاهله ويرفضه من لا يدري ولا يحِب أن يعترف بأنه لا يدري، ففاته نصف العلم، بل فاته العلم كله، والخير كله.
وهذا شرط يتبناه النصَّابون والدخلاء فينتسبون إلى سلسلة من سلاسل المشايخ تمريرا لبضاعتهم المزَوّرة. والمؤونة في هذا الانتساب يَسيرة، إذ ليس ثمة رواية تُنْتَقد ولا علم تجريح وتعديل وتاريخ كما هو الشأن في سند الحديث.
ثم إن من أهل النِّسْبَة الحقيقيين من يصحب عارفا وأصلا موصول السند، لكنه في نفسه يقصر عن مرتبة المشيخة التربوية. ولا يعرف كثير من الناس كيف يُمَيِّزُون بين الشيخ المربي الذي هو بغية الطالبين وكنز الأسرار وبين شيخ التبرك الذي جلس على السجادة بعد وفاة شيخه. وقد يكون هذا صاحب كشف وكرامات ويكون ذاك لا يظهر عليه شيء من ذلك، فينحاز الناس إلى المظهر وتروج الإجازات المكتوبة شيخا عن شيخ، والإذن الشفوي. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لم يترك الغزالي سلسلة من المشايخ ترثه مثلما ترك المشايخ عبد القادر والرفاعي والشاذلي وغيرهم رضي الله عنهم. وإنما مدرسته وطريقته كتبه. ومن أجلة العلماء، كانوا ولا يزالون، من يعتقد أن التصوف السني يتلخص وينحصر في ترقيق القلوب بقراءة الكتب الجليلة مثل الإحياء. وهذا ما يُعارض وصية الإمام الغزالي وعمله، حين بحث عن شيخ، وحين امتثل، وحين صحب، وحين تأكدت لديه ضرورة الصحبة فكتب يقول: "شرط الشيخ الذي يصلح أن يكون نائبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون عالما(...). وكان قد تابع لشخص بصيرٍ تتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم".
قال: "متابعة شخص". لم يقل: "متابعة كتاب". بعد هذا الشرط الأساسي في الشيخ المصحوب، وهو أن يكون "شخصا" تابع شخصا في تسلسل موصول، نَعْرِض للوظيفتين اللتين حددهما حجة الإسلام لشيخ التربية تُجَاهَ مريده.
أولهما أن يُعَرِّفَه بنفسه ومعايبها. وهذا مقدمة ضرورية لتطبيب الأمراض القلبية. قال رحمه الله: "يجلس (المريد) بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطَّلِع على خفايا الآفات. ويُحَكِّمه في نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدته. وهذا شأن المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه. فَيُعَرِّفه شيخه وأستاذه عيوب نفسه، ويعرفه طريق علاجها. وهذا قد عزَّ في هذا الزمان وجوده".
قلت: وهو في كل زمان عزيز، والكتب موجودة، والذاكرون المتبركون بالنسبة وفرة. والمفتاح يضعه الله عز وجل في يد من شاء. فقم من الليل وصل لربك وتضرع إليه: "يا رب من أصحب" كما أوصاك الناصح عبد القادر يأتِك رزقك.
الوظيفة الثانية للشيخ كما يراها حجة الإسلام رضي الله عنه هي وظيفة الدليل الخفير في عقبات الطريق ووُعورَتها، يحفظ السالك من صولة لصوص الطريق، ويُجِيزُه على أهوالها، كما يُطبِّب أمراضه النفسية، ويصفي رَيْنَهُ القلبِيَّ.
قال رحمه الله: "المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهدِيه إلى سواء السبيل. فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة. فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سُبَل البوادي المُهْلِكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها.(...) فمُعتصَم المريد بعد الشروط المذكورة شيخُه. فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد بحيث يفوض أمره إليه بالكلية. ولا يخالفه في وِرْده ولا صَدَرِهِ ولا يُبْقِي في متابعته شيئا ولا يَذَر. وليعلم أن نفعه في خطإ شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب. فإذا وجد مثل هذا المُعْتَصَم وجب على معتَصَمِه أن يَعْصِمَهُ ويحميَه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق".
فضائل العقل عند أهل الله ينافي مايلي:
1. الظن لايسلك المريد الطريق عن ظن وهمي بتخيل ملا يوجد من الحقائق ، فكل شيء عند أهل الله مؤصل عن علم لا عن ظن.لكن يؤسس البصيرة ، المضي على بصيرة في الطريق عن علم وعمل و اتباع لا عن ظن و ابتداع و اختلاف.ووحدة المربي من دعامات الطريق التسليم عقلا و قلبا لبركة ولي لا لتعدد الصحبة لا تولد الا انفجار و تخبط في الروح. و استنباط للحقائق عن منازلة حقة مقيدة بأدب الشيخ لا عن هوى نفس و اختيار.
2. الحجب المانعة عن القصد :
قال الشيخ عبد القادر: "باب قرب الحق لا يقبل الزحمة". نداء الله عز وجل المتلو شهادة والمُلْقى غيبا في الثلث الأخير من الليل لا يجد من العباد الاستجابة. فأكثرُ العباد لا يريدون الله، إنما يريدون ما عند الله. يا حسرة على العباد. حَجَبَ العباد عن ربهم، وعن الإسراع إليه والسير والسلوك والمشي والتقرب والوصول ما كسبت أيديهم. حَجَبَ القلوبَ ما ران عليها وعلاها من أوساخ الذنوب والمعاصي والنفاق وسوء الظن بالله وبعباده والكسل عن الطاعات.
حَجَبَهم قرناء السوء واستخفافُهم بالصالحين وحسدُهم وقياسهم للآخرين على أنفسهم عن صحبة الأخيار وهي الشرط الأول في السلوك. حجبهم الغفلة والعادة والطبع والهوى والأنانية وتأويل كلمة الحق عن ذكر الله وعبادته على قدم السنة، والذكر هو الشرط الثاني في السلوك. وحجبهم كذبهم وتكذيبهم بالحسنى ونفاقهم عن صدق التوبة، وصدق النية، وصدق اليقظة، وصدق الاعتقاد، وصدق الطلب مع الصادقين، والصدق هو الشرط الثالث.
ومن تركيب هذه الموانع والحجب وضرب بعضها في بعض تنتُج الأعداد الهائلة، حتى يُقال: إن بين بعض العباد وربهم سبعين ألف حجاب من ظلمة ونور. وما وضع هذه الحُجُبَ غيرهم، ولا كسب سيئاتِها سواهم.
قال الله تبارك وتعالى يخبرنا عن حال المجرمينكَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (سورة المطففين، الآية: ). الرَّيْنُ: الصدأ.
وقد شرح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتكون هذا الصدأ ويعلو القلوب فتنحجب عن ربها عز وجل، فقال فيما رواه مسلم عن حذيفة: "تُعْرَض الفتن على القلوب كالحصير عَوْداً عَوْداً. فأي قلب أُشْرِبَهَا نُكِتَ فيه نكتةٌ سوداء. وأي قلب أنكرها نُكِت فيه نكتةٌ بيضاء. حتى تصير على قلبين: أبيضَ مثلَ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مُرْبادّاً كالكُوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشْرِبَ من هواه". الحديث.
تعرض الفتن كالحصير عودا عودا: قال ابن الأثير: تحيط بالقلوب كالمحصور المحبوس. عَوْدا عَوْدا: أي مرة بعد مرة. قال: أشربها. دخلت فيه وقبلها وسكنت فيه. مُرْبَادّاً: الذي في لونه رُبدة وهي بين السواد والغُبْرة. كالكوز مُجَخِّياً: كالإناء المائل عن الاستقامة والاعتدال.
هكذا يعلمنا الله ويعلمنا رسوله أثر مكاسبنا على قلوبنا. ما من عمل حسن إلا يزداد به القلب بياضا ونورا. وما من خطيئة وفتنة يُشْرَبُها القلب ولا يتوب فاعلها ويستغفر إلا نَكَتَتْ في قلبه سوادا. ويتراكم السواد طَبَقا عن طبق حتى يؤلِّفَ صدأ يرين على القلب فيحجبه عن ربه عز وجل دنيا وأخرى.
السلوك سير قلبي، والمشايخ المسلِّكون أطباء في تصفية القلوب. ليس طِبُّهم من قبيل وصف الدواء من بعيد، بل هم أنفسهم دواء، صُحْبتهم ومجالستهم ومحبتهم ومخاللَتهم تَعَرُّضٌ مباشر للإشعاع القلبي الشافي بإذن الله الذي يودعه الله عز وجل في قلوب أوليائه.
لكن كيف يعتَرِف عليلُ القلب، وداؤه مستورٌ عن الأبصار، أنه مريض! داء العُجْب يمنعه عن الاعتراف. أم كيف يقصد رجلا مثلَه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يقول له: داوني! الكبرياءُ وسوءُ الظن يمنعان من ذلك. حُجُبٌ بعضُها فوق بعض وظلمات. ويموتُ مريض القلب بدائه، لم يعرفه، أو عرفه ولم يرض بعرضه على أصحاب البصائر. وتسمعه يقول: هذا كتاب الله وهذه سنة نبيه. وما عنده علم بالمصيبة الجُلَّى التي أصابت قلبه وسره فمَنعته من ملامسة نور الكتاب ونور السنة. ألا وهي مصيبة الرين والحجاب.
قال الإمام الرفاعي رحمه الله: "أيْ بُنيّ! اعلم أن أعظم مصائب السر حجابُه عن الله تعالى. فكل من حلت به هذه المصيبةُ فقد تلاشت سائر مصائبه في جنبها. فإن المحجوب سكران، والسكران لا يجد حالة سكره وجعَ المصيبة. فإذا أفاق وجد الألم.
"ومصيبة المحجوب لا تنجبر أبدا إلا بتجريد السر عن كل ما دون الله تعالى. ولا وعيد في القرآن أصعب من قوله تعالى : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم )سورة المطففين.
"فكم من طاعة حَجَبت صاحبها عن المطاع (سبحانه)، وكم من نعمة قطعت صاحبها عن المُنعم. ورُبَّ نائمٍ رُزق الانتباه بعد رقدته، ومنتبهٍ نام بعد طول الانتباه. ورب فاجر رُزق الولاية، وبلغ منازل الأبرار، وزاهد سقط عن ولايته وسلك مسالك الفجار. وكم من عامل حجبته رؤية أعماله عن رؤية امتنان ربه حتى عميَتْ بصيرته فصار مبعدا وهو يحسب أنه واصل.
"ولا مصيبة أشد على العارف من الحجاب ولو طرفة عين. وأعظم عقوبة على العبد البُعد من الله والحجابُ".
قال رحمه الله:«واعلم أن الكفار محجوبون بظلمة الضلالة عن نور الهدى. وأهل المعصية محجوبون بظلمة الغفلة عن نور التقوى. وأهل الطاعة محجوبون بظلمة رؤية الطاعة (أي الاعتزاز بعملهم من دون الله واهب المنن والاستكبار به والاستغناء) عن أنوار رؤية التوفيق وعناية المولى."فإذا رفع الله عنهم هذه الحجب نظروا بأعين النور إلى النور. فعند ذلك يحجبون عن غيره به.
"فكل من نظر إلى حركاته وأفعاله في طاعة الله صار محجوبا عن وليها (سبحانه) مفلسا. ومن نظر إلى وليها صار محجوبا به عن رؤيتها. لأنه إذا رأى عجزه عن تحقيقها وإتمامها صار مستغرقا في امتنانه. وربما يُحْجَب برؤية العبادة عن وجدان حلاوتها. وربما يُحْجَبُ برؤية وِجدان الحلاوة عن صحة الإرادة. وربما يُحْجَبُ برؤية المنة عن رؤية المنان سبحانه".
قلت: نَعَمْ! المحجوب سكران: سكرة العقل بعلمه ومخزون مكتسباته، وسكرة النفس بأنانيتها واستكبارها، وسكرة الماجن بلذاته، والرئيس برئاسته، والمالك بمِلْكِهِ، والمعافَى بصحة بدنه، والمريض بمرضه، والفقير المُعْوِز بعَوَزه، حتى تحيط بالدنيا وهوسها عدّاً، عكسا وطردا. الدنيا دار فتنة، وما من فتنة عينية جزئية أُشْرِبَها القلبُ حتى استقرت فيه إلا أظلمت ركنا منه وتكاثف عليه الريْنُ فما بالك بمن أُشْرب حبَّ الدنيا كلها، وهي الفتنة مُجَسَّدة! لذا كان حب الدنيا رأسَ كل خطيئة، وكانت حجابا عن الآخرة، وكانت هي والآخرة، لمن وقف عندهما بسره، حجابا عن الله عز وجل.
والموفَّق من لا يقف مع شيء من دون الله، خصوصا مع طاعته يَعتَدُّ بها ويباهي. الموفق من يخرق الحجاب الأكبر، وهو الزمان، وهو العمر، وهو حظه من الدنيا، ويطويه فيطلِّقُ الدنيا من قلبه، ثم يطلق الآخرة من سره، ويقطع المراحل كأنه في الدنيا غريب أو عابر سبيل. يقطع المراحل وهمُّه الله لا غيره.
قال شيخ الإسلام ابن القيم: "العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه. ومدة سفره هي عمره الذي كتب له. فالعمر هو مدة سفر الإنسان في هذه الدار إلى ربه. ثم قد جعلت الأيام والليالي مراحل لسفره. فكلُّ يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة مرحلة حتى ينتهي السفر.
"فالكيِّس الفطن (الموفق) هو الذي يجعَل كل مرحلة نُصْبَ عينيه، فيهتم بقطعها سالما غانما. فإذا قطعها جعل الأخرى نُصْبَ عيْنيه. ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه، ويَمْتَدَّ أمله، ويحضر بالتسويف والوعد والتأخير والمطل. بل يعدّ عمْرَه تلك المرحلة الواحدة. فيجتهد في قطعها بخير ما بحضرته.
"فإذا تيقن قِصَرَها وسرعة انقضائها هان عليه العمل، فطوعت له نفسه الانقياد إلى التزوُّدِ. فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك. فلا يزال هذا دأبه حتى يطوي مراحل عمره كلها. فيحمد سعيه، ويبتهج بما أعده ليوم فاقته وحاجته. فإذا طلع صبح الآخرة، انقشع ظَلاَمُ الدنيا، فحينئذ يحمد سُرَاهُ، وينجاب عنه كَراهُ. فما أحسن ما يستقبِلُ يومه وقد لاح صباحُه، واستبان فلاحه.
قال الشيخ عبد القادر: "ويحك يا جاهل! بدل ما تشغل نفسك بالاعتراض، اشغلها بالسُّؤال من الحق عز وجل. شاغِلْها به حتى تذهب أوقات البلايا وتنطفئ نيران الآفات(...)
"إذا تحيرت قل : يا دليلَ المتحيرين دُلني. إذا ابْتُليتَ وعجزت عن الصبر قل: إلهي أعِنِّي وصبِّرني واكشف عني. وأما إذا وصلت، وأُدْخِل قلبُك وقُرِّبَ منه، فلا سؤال ولا لسان! بل سكون ومشاهدة. تصير ضيفاً. والضيف لا يَتَشَهَّى، بل يُحْسِنُ الأدبَ، ويأكل ما يُقَدَّم له، ويأخذ ما يعطى. إلا أن يقال له: تشهَّ! فيتشهى امتثال أمر لا اختياراً منه.
"السؤال عند البعد، والسكوت عند القرب. القوم لا يعرفون غير الحق عز وجل. تقطعت الأرباب عنهم، وانخلعت الأسباب من قلوبهم(...) .
"من ادعى محبة الله عز وجل وطلب منه غيره فقد كذب في محبته. أما إذا صار محبوبا واصلا ضيفا مقربا فيقال له: اطلب وتشَهَّ وقل ما تريد فإنك مُمَكَّنٌ!(...) اطلبوا منه طيبة القلوب معه، فإنه يُوَسِّع طيبة القلوب على من يشاء، يُكثِر أرزاق القلوب على من يشاء".
سكون ومشاهدة. تصير ضيفاً. والضيف لا يَتَشَهَّى، بل يُحْسِنُ الأدبَ، ويأكل ما يُقَدَّم له، ويأخذ ما يعطى. إلا أن يقال له: تشهَّ! فيتشهى امتثال أمر لا اختياراً منه.
"السؤال عند البعد، والسكوت عند القرب. القوم لا يعرفون غير الحق عز وجل. تقطعت الأرباب عنهم، وانخلعت الأسباب من قلوبهم(...) .
"من ادعى محبة الله عز وجل وطلب منه غيره فقد كذب في محبته. أما إذا صار محبوبا واصلا ضيفا مقربا فيقال له: اطلب وتشَهَّ وقل ما تريد فإنك مُمَكَّنٌ!(...) اطلبوا منه طيبة القلوب معه، فإنه يُوَسِّع طيبة القلوب على من يشاء، يُكثِر أرزاق القلوب على من يشاء".
نسأل الله أن يرحمنا آمين

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #9
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 9.دراسات في التصوف، في رحمة القلب وحكمته و طيش الروح و استبداد العقل

دراسات في التصوف، في رحمة القلب وحكمته و طيش الروح و استبداد العقل


اللهم صل على سيدنا محمد و على آله وصحبه ، أمابعد
يغفل القارئ اللبيب عند قرائته لتاريخ المسلمين بشقيه التربوي العلمي من جهة ، والسياسي من جهة أخرى ، على أمر مهم : كيف أفهم الصراع و التدافع بين رحمة في القلب يحس بها الولي في عزلته و استقالته عن الشأن العام ؟ ، وبين فهم العقل المجرد عن الفهم القلبي لنصوص أولياء الله ؟ وما في استبداد السياسي التي عرفته الأمة مع بني أمية و بني العباس وبنو عثمان من الأستئصال الداخلي للرأي الحر و كيف زحف العدوان الداخلي على أهل الفضل في بلاد المسلمين ، فكممت الأفواه ، وسكت العلماء عن النصيحة حفاظا على بيت المسلمين من الفرقة و التشتت؟.
تحجر علمي يواجه الفقه القلبي ، واستبداد دموي جريء في الدماء و الرقاب لا يعرف الورع في الحفاظ على الكرسي و تقاليده الفرعونية؟.
وهيام صوفي خيالي في ترتيب المقامات و الأحوال مقابل تاصيل للفروع و الأصول و علوم الآلة ، و تعصب حنبلي سلفي وهابي فقهي في مواجهة الضعفاء المسلمين من العوام و الخواص.
رحمة في القلب في الزاوية ، وحكمة علمية في حلقات العلم ، وشره شرعي مدجج مؤصل بالنصوص من الأصلين في مواجهة الرأي المخالف.
مجرد مقدمة لموضوع ذو شجون.
ابدأ برسالة لأمير أموي كتبها لأحد و لاته : "كتب هشام بن عبد الملك إلى عامله على إفريقية : "أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين ( !) لما رأى ما كان يبعث به موسى بن نصير إلى الملك بن مروان رحمه الله تعالى، أراد مثله منك، وعندك من الجواري البربريات المالئات للأعين الآخذات للقلوب ما هو معوز لنا بالشام وما والاه. فتلطف في الانتقاء، وتوخ أنيق الجمال، وعظم الأكفال، وسعة الصدور، ولين الأجساد، ورقة الأنامل، وسبوطة العصب، وجدالة الأسؤق، وجثول الفروع، ونجالة الأعين، وسهولة الخدود، وصغر الأفواه، وحسن الثغور، وشطاط الأجسام، واعتدال القوام، ورخامة الكلام).
- انظُر أطروحة الأستاذ محمد الطالبيّ التي عُنوَانها "الدولة الأغلبية"، نشر "دار الغرب الإسلاميّ" الطبعة الأولى، 1985، الصفحتين 38 و39 بتعاليقهما.
في النص البديع للأمير الأموي حكمة بالغة ، تأسف لها العقول ، كيف أصبح الأمام المصحوب كما قرأناه في الصحبة و الصاحب و المصحوب ، من الرحمة القلبة الممزوجة بالعقل الحكيم و الرفق بالأمة في أمرها الخاص و العام ، مجرد نكاح طالب للجواري و الأماء ؟.
وكيف تجزأت بسبب ذلك الشرخ الشخصية المسلمة الوارثة للنبوة ووظيفتها الى مجرد شخصية لاهية متمتعة بالدنيا لا غير.
أوردت النص لوقعه على القلب ، وقد أعتاد القارئ أن يقرأ التمجيد لفتوحات بني أمية ؟.
مجرد فتوح ام ماذا ؟.
وفي الكفة الأخرى ،: استقالة أهل الفضل في الفتنة عن واجب النصيحة.
وفي كفة أخرى : أهل التربية من نأوا بأنفسهم في الخلوات مع الباقيات الصالحات ، تأبى نفوسهم أن تتلوث بركام و نجاسة و ازبال الصراع الدنيوي ؟
واستكنف العلماء أصحاب العلم من نصيحة الحاكم المستبد وجوز أحدهم شرعية حكم المستولي بالسيف.
فما موقعنا من الخلاف القديم الحديث ، و كيف نتجاوزه في المستقبل ؟.
في تطبيق عملي بعد قراءة الرسالة الفريدة حقا ، كيف ستتعامل القلوب و العقول لتصدر حكمها :
أ.الصوفي القح المستقيل من تدبير هم المسلمين في الشان العام ، لن يكثرث بهذه الرواية ، وسيعتبرها موعظة حسنة تذكره بالأشتغال بأمر الله و ذكره ، وأن يتجنب كل أمر يبعده عن الله تعالى ، ويحفز حواسه و جوارحه عن كل أمر مليم مقعد عن الله.
فلا شان له ؟ و شانه أن يطلب المقامات العالية بعيدا عن هذا ، السؤال في مقابل هذا التصور : هل كان فعلا الأستقالة عن الشأن العام سنة الحبيب ؟ هل وردت عليه قولا و فعلا و سنة وتقريرا؟.
ب.السلفي القح يرى في الرواية طعنا في الملك المجيد الذي ملك الدنيا و فتح الأمصار والبلدان ، و يحك أتسب ملكا كان القوة الضاربة الحامية لبلدان المسلمين من العدوان الخارجي ، وما ضير أن تمتع مولاي هشام بالأماء و الجواري أما تكفيه تكاليف الخلافة و مغارمها ؟
السؤال الذي سيطرح نفسه : هل كان الأماء والجواري سنة الخلفاء الراشدين .
لا زمة يجعلها هؤلاء : سنة النبي و خلفائه الراشدين ، ام الجواري و الأماء زينة الخلافة و جمالها؟.
ج.الشيعي سيلعن الجميع وحتى من يكتب هذه الفقرات.هذا فرغنا منه.
د.الحداثي المتنور سيقوض الأسلام من أساسه سلطان وحكم و هيبة و رق ومال وخراج.
ه.الحركي العامل في الشأن العام يحدثك عن ضرورة العمل لتقويض مثل هذه الأنظمة ، و الأنقلابي عن ضرورة الثورة.
فكيف يقرأ المرحوم قلبه بحقائق الأيمان هذا الخبر ، و كيف يعالج هذه المعضلة ؟
لا يكفي الزهد و التصوف في معالجة هذا الأمر ، فالتصوف في زماننا لا يعدو أن يكون مجرد تبرك بالخرقة و السجادة و السبحة ، والسلفية مجرد حكم مسبق عن الأمة بالكفر و الضلال بتضرم مفرط و تجهم مغال فيه و تبديع للأمة .
1. الخطوة الأولى ، الرحمة و الحكمة :
نجد تأصيلا لهذ ين المفهومين في كتاب مقدمات في المنهاج يقول الشيخ عبد السلام ياسين -فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم، أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل، وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والامتناع والزجر عن نواهيها.
الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق القلب بتلك الهداية، والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل، تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد : ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يات الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ .
أقصد بالحكمة "معرفة الدين والعمل به" كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله. قال ابن قتيبة : "الحكمة عند العرب العلم والعمل". والعلم والعمل آلتهما العقل. فإما عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذاك عقل مشترك بين البشر. وإما عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي، ثم ينصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى في الكون، لا غنى له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة.
الرحمة قلبية، والحكمة عقلية راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع.).كتاب مقدمات في المنهاج.
نفقه من خلال ما نقرأ أن الرحمة التي سنشعر بها عند الذكر لها وظيفتين :
- ترقي العبد في معرفة الله في مقامات الأحسان فيشعر بقرب الله و رحمته و عفوه.
-تكليفية تشعر العبد بضرورة العمل و حمل هم الأمة لاغير.
فأن لم تحقق في الصوفي هذين الأمرين فالتصوف و للأسف مجرد : طيش الروح.
والعقل الذي لا يستنبط حقائقه عن القلب المرحوم بالأيمان مجرد مدركات في الحواس و تفكير في العلم و عمل منظم لا يرقى صاحبه الا في الحقل المعاشي لا غير.
العقل الحكيم يستنبط من الأيمان و حقائق الوحي الطريقة المثلى في معالجة الماضي وما كان فيه من المثالب و الأيضات ، وفي الحاضر بالعمل للمسلمين و استثمار جميع العلوم لبلوغ أقصى الغايات ، وللمستقبل ما فعلته لألقلى الله في آخرتي.
لا يفرق الصوفي بين الميل القلبي لشيخه و محبته و بين مقتضيات العقل وميزانه ، فأحاينا تجد الصوفي يتعامل مع ثراث غيره بنوع من الشطط ، فمثلا ترى وليا من أولياء يحب مآثر ابن عربي رضي الله عنه ، ويقرأ لأبن تيمية و ابن القيم الجوزية وكانا من أشد العلماء شدة على عقيدة الأموات ، فينكر كل شيء الخير و الشر و الفضل و الدخن ، فيعرض كليا عن مآثر ابن القيم الجوزية و ابن تيمية و أن كان حقا.
وتجد السلفي لا يستطيع أن يقرأ مجرد كتاب لأهل الله بدعوى ان ما فيها بدع وضلالات. فيسب و يشجب و يستدل بتدليس أبليس لآبن الجوزي لا غير و فتاوي ابن تيمية . وعقيدة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
تقرأ لأبن القيم الجوزية كتاب الوابل الصيب ، فتجد الحرقة و الهم و الأسف على ما أصاب ذكر الله من الفتور عند الناس ، ويذكر كيف كان ابن تيمية يقوم الليل و يجلس بعد صلاة الصبح يذكر الله الى الضحى ، وشهادة ابن القيم في شيخه الذي قال له يوما عن ذكره هذه غذوتي وقرة عينه لولاها ما ثبث على الطريق.
وكتابه طريق الهجرتين حيث ناقش فساد عقيدة المتكلمين ثم ولج باب الأرادة و الولاية و العلم و كيف يكتسب الطالب لولاية الله و لاية العلم و الأرادة.لا يريد بعض المتشططين من أهل الله الا ليعرضوا كليا و يربوا السالكين على الأعراض بهوى العقل.
فهل هذه حكمة أم رحمة أم ماذا ؟.
لا أنكر فضل ابن القيم الجوزية علي فيما يخص الفهم القلبي لأهل الله ، تجد التأصيل الدقيق و البيان الشافي لمختلف علوم القوم ، واعتبره ممن علمني كيف أقرأ لأبن عربي رضي الله عنه ، و لا تنقص محبتي له و لا تزيد كما أن حبي لثراث الشيخ ابن عربي رضي الله عنه لا يجعلني أغمط حق الآخرين ممن بذلوا الوقت و الجهد في تأصيل الأصول و الفروع.
تنفع المحبة القلبية بحسب أهل الله عند الأنقياد للولي المربي ، لكن هذه المحبة لن تنفعني أن كان قلبي لا يسع جميع المسلمين.
- " لا يبتسم في وجه الفاسق الا العارف" كما جاء في الفتح الرباني ، فلم نرددها في مجالسنا الليلية التربوية ان لم نكن نعمل بها في واقعنا.
أم أنه مجرد تواجد ووجد وهيام ، بل طيش الروح.
فكيف استطاع ابن تيمية رحمه الله و تلميذه الأغر ابن القيم الجوزية ان يثنيا على أكابر المشايخ اليس لسعة الصدر ؟.
يقول الشيخ عبد السلام ياسين في فصل الرجال من كتاب الأحسان ، فقرة المحدثون و الصوفية......في العهود الأولى كان احترام متبادل وتعاون على البر والتقوى. كان من الصوفية من تخرجوا في علم الرواية، وكان من المحدثين من تصوفوا على يد مشايخ متصوفين. لم تكن هناك قطيعة ولا سوء ظن. ومن أئمة الحديث، أولياء الله إن كان لله ولي، من جلس في مجالس القوم ومن آخى مشايخ القوم، مع التسليم والمصافاة.
نقل تاج الدين ابن السبكي في "طبقات الشافعية" عن الحافظ الكبير أبي عبد الله الحاكم قصة الإمام أحمد ابن حنبل مع الشيخ الحارث المحاسبي. قال الحاكم بسنده المتصل إلى إسماعيل بن إسحاق السراج، قال إسماعيل: قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك (يكثر من الحضور في بيتك) فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأستمع كلامه. فقصدت الحارث وسألته أن يحضر تلك الليلة وأن يحضر أصحابه. فقال: فيهم كثرة، فلا تزدهم على الكسب (الخبز) والتمر، فأتيت أبا عبد الله (ابن حنبل) فأعلمته فحضر إلى غرفة واجتهد في ورده. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا. ثم صلوا العتمة (العشاء) ولم يصلوا بعدها. وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل. ثم ابتدأ رجل منهم فسأل مسألة، فأخذ الحارث في الكلام، وأصحابه يستمعون كأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه. فانصرفت إليهم. ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا. فصعدت إلى أبي عبد الله فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام فخرج. وفي رواية أخرى أن أحمد قال:لا أنكر من هذا شيئا" ، قال ابن السبكي: قلت: تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد، فيخاف على سالكه. وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر. ولكل رأي واجتهاد، حشرنا الله معهم أجمعين في زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم. وأضيف بضراعة المقصرين الراجين عفوه تعالى: اللهم آمين.

ماذا ذهب شيخ المحدثين يفعل عند البكائين؟ وهل يغشى عليه من وعظهم لو لم يكن أبكى منهم وأخشع؟ له ورده يجتهد فيه كما لهم أوراد. ويزيد عليهم بخدمة العلم.
إن أهل الحديث رضي الله عنهم هم أهل الإحسان بالمعاني المتعددة للكلمة: إحسان في العبادة، وإتقان لصناعتهم الجليلة، وإحسان للخلق كافة بما حفظوا عليهم من هذا الدين. صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة خدمة واتباع ومحبة. خدموه بأبدانهم يرحلون الرحلات الشاقة البعيدة لسماع حديث أو تحقيق كلمة. وخدموه بعقولهم في تصحيح إسناد ونقد رجال وإثبات تاريخ وتقويم متن. وخدموه بقلوبهم غيرة على حديث خير البرية أن يزور أو يحرف. لا جرم يعم فضلهم الأمة ويوصي ابن حنبل صاحب الدار، ولعله كان تلميذا له، أن يترك حلق الذكر الخاصة الخاص نفعها ليتفرغ للعلم الذي يعم نفعه كل طائفة وكل مكان وكل جيل.
ما كل من حمل الحديث بمنزلة الإمام أحمد ولا كل من تسمى صوفيا بمعزل عن اللوم. أمثال أحمد الذين تشربوا حب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإكبار أمره وأفنوا أعمارهم في خدمته قليل. هم أئمة الهدى. يقول الإمام الشافعي متحدثا عن الجناب الشريف: "فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدا من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمته وبركاته. وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلا عن من أرسل إليه. فإنه أنقذنا من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها".
كان حب الله ورسوله رابطة جامعة بين كل طوائف السلف الصالح. وكانت نسبة الإيمان واصلة، ونسبة الإحسان سارية يشيم ومضها بعضهم من بعض ويشتم عبيرها بعضهم من بعض. لما امتحن الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن وأعلن المامون ومن بعده المعتصم تحيزهما لجانب الفكر الدخيل خنس كثير من الفقهاء والقراء، وتمالأ على الإمام قضاة القصر وبغاته، وبقي هو رضي الله عنه صامدا كالجبل ينافح عن صفاء العقيدة وحرمة القرآن. في تلك الأثناء كتب إليه الشافعي رسالة تشجيع وتضامن. قال الربيع بن سليمان صاحب الإمام الشافعي: "فدخلت بغداد ومعي الكتاب. فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر. فقال لي أحمد: نظرت فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ، وتغرغرت عيناه. فقلت له إيش فيه أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله. فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه. فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر. وسلمته إلى الشافعي. فقال: إيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه. فقال الشافعي: ليس نفجعك به. ولكن بله وارفع إلي الماء لأتبرك به". من لا تتسع حويصلته أن يسمع عن أئمة الدين كيف كانوا يتكاتبون بالرؤى الصادقة وكيف كانوا يعتزون بصلتهم القلبية بالمخدوم الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكيف كانوا يتبركون بآثار النبي الطاهر وبآثار بعضهم فليبحث عن تاريخ مفلسف منقح مادي "غير غيبي" في تاريخ غير تاريخ المسلمين الموثق بالأسانيد المتصلة.
كان الشافعي رضي الله عنه صاحب قلب ونورانية وفراسة عرف بها أولياء الله وخصوا. سواء منهم من حمل اسم صوفي أو فقيه أو محدث، لا يغير مظهر اللقب من جوهر الملقب. روى نفس الصاحب الربيع بن سليمان قال: "دخلنا على الشافعي رضي الله عنه عند وفاته أنا والبوطي والمزني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال. ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هيآت وهنات، ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان. وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك. وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة (أي حلقة التعليم التي كان يجلس فيها الشافعي). قال الربيع: فكان كما قال".
كانت لوائح الولاية لائحة على الإمام البخاري. كانت له كرامات ودعوات مستجابات. وما له لا يكون من أصحاب الاستجابة والتجلي وهو السابق بالخيرات المجلي، والرب كريم، نواله عظيم. كان رضي الله عنه قواما صواما تاليا لكتاب الله معظما لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبا له خادما. روى عنه صاحبه الفربري أنه كان لا يكتب في صحيحه حديثا إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين. وكذلك كان الإمام مالك رضي الله عنه من قبله، لا يجلس للحديث إلا بعد أن يغتسل ويتطيب. ولا يركب دابة في المدينة على كبر سنه، ويقول: "لا أركب في بلد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مدفون". بذلك نالوا عند الله جل وعلا الدرجات.
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله (البخاري) يقول: "ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له". قال: "وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير وقال: أنفق على نفسك".
كأني بقائل من العقلانيين يستلقي على قفاه ضحكا وسخرية من "الخرافات" التي تمتلئ بها كتب المسلمين. إن من لا يومن بمعجزات الأنبياء وكرامة الله عز وجل لأوليائه عن طريق الأسباب أو بخرق العادة لمدخول العقيدة. ولنا عودة للموضوع إن شاء الله. وطائفة يقرأون مثل خبر الدنانير الآتية من الغيب فينصرفون عن عبادة الله المجردة القصد، ويتركون السعي الذي شرعه الله لكسب الرزق، ويعيشون في وهم سابح. هذه الذهنية هي الخرافية بعينها، وهي الخطر المحدق. وقد عاشت طوائف من المسلمين بهذه الذهنية ولا تزال. والناقدون الساخرون من الديـن و"الغيبية" لا يستطيعون أن يميزوا بين الشعوذة والسحر والأحلام وبين الكرامة التي يظهرها المولى عز وجل على يد أفراد كالبخاري وعلى يد جماعات مجاهدة كالصحابة رضي الله عنهم وكالمجاهدين في أفغانستان في زماننا. كان البخاري رحمه الله يقوم في الليل أكثر من عشر مرات ليدون حديثا أو فائدة، لا يترك له الاهتمام بالعلم نوما. والصحابة رضي الله عنهم ومجاهدو أفغانستان لا يألون جهدا في إعداد القوة كما أمر الله، يبارك الله العلي القدير تلك الوسائل على ضآلتها فتأتي بنتائج لا تخطر على البال.
كان إمام المحدثين البخاري عبقا بعطر الصلاح حيا وميتا. مرض واشتد به المرض فدعا الله ربه قائلا بعد أن فرغ من صلاة الليـل: "اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك". قال الراوي: "فما تم الشهر حتى قبضه الله عز وجل". فلما حضرته الوفاة دعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله. قال الراوي: "فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية (الغالية نوع من الطيب الفاخر). فدام على ذلك أياما. ثم علت سوار بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون (أي يأتون الجماعة بعد الأخرى) ويتعجبون".
تسمع أخي المؤمن في زماننا هذا أخبارا مستفيضة عن شهداء أفغانستان وما يفوح من أجسادهم المطهرة من عطر، وما يظهر في سمائهم من علامات، فليزدك هذا الخبر عن رجل صالح من القرون الفاضلة يقينا أن ولاية الله لاتنال بالقعود والتأمل، وإنما تنال بالجهاد والمجاهدة فيما يطهر القلب وينفع الناس في الأرض.
كان من أهل الحديث من يبحث عن دليل يسلك به إلى الله، يتخذه شيخا مربيا يلزمه، بعد أن رقت الكثافة الإيمانية الإحسانية التي كانت شائعة سارية في الجو في مجتمع القرون الفاضلة. في تلك القرون كانت الصحبة والاقتباس الروحي عملية فطرية، يجذب القلب الكبير القلوب الظمأى إليه في يسر وصداقة ورحمة. كانت الوشيجة الرابطة بين المحدثين حبهم المشترك لله ورسوله وبحثهم المشترك عن العلم. كان الشافعي يقول لابن حنبل رضي الله عنهما: "أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميا كان أو كوفيا أو بصريا".
كان بين عبد الله بن المبارك وبين الفضيل بن عياض صداقة وأخوة في الله. فضيل يعده الصوفية منهم، وابن المبارك من مشايخ مشايخ البخاري. قال ابن تيمية شيخ الإسلام: "قال سيد المسلمين في وقته الفضيل بن عياض في قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا). قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة". شهد ابن المبارك في أخيه الفضيل قال: "ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض". وقال الفضيل: "ورب هذا البيت، ما رأت عيناي مثل ابن المبارك". كان ابن المبارك محدثا عالما فارسا عابدا كريما كثير النفقة في سبيل الله، يحج عاما ويغزو عاما. وكان شاعرا. كان أمة وحده. وكان الفضيل زاهدا ذاكرا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. كانا نموذجين متكاملين لأهل الخير. ولم تمنع أخوتهما الصادقة وإكبار كل منهما لصاحبه من المصارحة والمناصحة. كتب ابن المبارك إلى أخيه الفضيل هذه الرسالة الشعرية التي تستحق أن نطرق بها في زماننا باب كل ناسك منزو في خلوته، وأن نسمعها كل عالم يخشى الله ويشركه في الخشية الناس فينكص عن ميادين الجهاد مكتفيا بأوراده يتمتمها) كتاب الأحسان طبعة 1998.
اي حكمة و أي عقل يستسيغ هذا الكلام ، ان لم تكن النظرة الجامعة مأوى الضائع و ديدن القائم و سلطان الفعل و ثمرة الجهد المضني في البحث عن الحقيقة.
يقول في فقرة أخرى ، من كتاب الأحسان الفقهاء تلامذة الصوفية ......
وكذلك من أعيان الفقهاء من جميع المذاهب تجد الفقيه بعد استكمال طلبه للعلم أو أثناء الطلب يلتمس وليا مرشدا يصقل قلبه بالإحسان. هذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره المتبحر المتفنن الذي نازع معاصريه الزعامة وقارعهم بعناده واعتداده بنفسه يلجأ إلى المشايخ الشاذلية يتخذهم قدوة وأدلة. كتب في "حسن المحاضرة" دعواه، وهو جدير بها رحمه الله: "رزقت التبحر في سبعة علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها منها، لم يصل إليه ولا وقف عليه شخص من الأشخاص. فضلا عمن هو دونهم.
وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني. وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله. وقد كملت عندي آلات الاجتهاد".
ما بال مثل هذا الرجل المعتز بعلمه، المنفرد في عصره بالاطلاع الواسع، المؤلف المرموق، المقرب إلى "خليفة" عصره المتوكل على الله العباسي، المحسود من طرف فقهاء مصر، خاضوا ضده معارك حامية، يذهب إلى المشايخ أهل الطريق يخضع لهم ويتتلمذ ؟ ألم يكفه ما في بطون الكتب من علم غزير؟ عبرة لك يا سيدي يا أخي يا حبيبي يا من ترشد الناس لقراءة كتب الصوفية. "تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية"، هذا عنوان كتاب السيوطي، وهو مطبوع. فابحث عنه عله يكون آخر ورقات تبحث فيها عن التربية الإحسانية، ولن تجد فيه إلا شهادة رجل صادق خشى كما تخشى أن يكتم شهادته،"وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (سورة البقرة، الآية:140). تتلمذ خلق لا يكادون يحصون من الفقهاء في كل العصور للمشايخ من رجال الطريق. وتحدثوا عن مشايخهم، وقارنوا بين الفقهاء والصوفية وفاضلوا. استمع معي إلى حكم محدث بارز يقارن ويقوم، محدث تتلمذ للمشايخ الشاذلية كما تتلمذ السيوطي. إنه ابن حجر الهيثمي. قال: "فمستنبطو الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم. فهم قوم غذوا بالتقوى وربوا بالهدى. أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها بعد أن ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها وناسخها من منسوخها. فأصلوا أصولها ومهدوا فروعها. فجزاهم الله عن المسلمين خيرا وأحسن جزاءهم، كما جعلهم ورثة أنبيائه وحفاظ شرعه، ألحقنا الله بهم وجعلنا من تابعيهم بإحسان".
ويكتب عن العارفين الصوفية: "العارفون بالله الذين وفقهم الله لأفضل الأعمال، وحفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال. ثم كشف لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه، واشتغلوا بمحبته عما سواه. وأطلعهم على عجائب ملكه، وغرائب حكمه، وقربهم من حضرة قدسه، وأجلسهم على بساط أنسه، وملأ قلوبهم بصفات جماله وجلاله، وجعلها مطالع أنواره، ومعادن أسراره، وخزائن معارفه، وكنوز لطائفه. وأحيى بهم الدين، ونفع بهم المريدين، وأغاث بهم العباد، وأصلح بهم البلاد.
ثم يتحدث عن الفقهاء ليعقد المقارنة فيقول: "علماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسبية، وعويصات الوقائع الفعلية والقولية، وغرائب البراهين العقلية والنقلية، حتى حفظوا سياج الشرع من أن يلم به طارق، أو يخرقه مبتدع مارق. فالأولون (أي العارفون) أفضل، وإن كان للآخرين (الفقهاء حماة الشريعة) فضل عظيم، بل ربما كانوا أفضل من حيثية لا مطلقا.
الشهادة القولية الصادرة عن الفحول من علماء الأمة وأئمتها لها وزنها. والعبرة بالشهادة الفعلية أقوى وأبلغ. انقياد الفقهاء للمشايخ المربين، وانصياعهم لأمرهم، وتلقيهم بالتسليم والموافقة لتوجيهاتهم، ثم تعظيمهم لهم ومحبتهم إياهم واعترافهم بفضلهم تقرأ هذا في أثباتهم وفهارسهم، وفي كتب التاريخ والطبقات. فهل هي ظاهرة تدل على صبيانية رجال الإسلام أم هناك مادة نورانية لا توخذ من الكتب بل من قلوب أهل الصفاء والوفاء؟
إن من لا حرقة في نفسه إلى معرفة الله لا يبحث، وإن بحث فلمجرد الاطلاع وإرضاء الفضول.
باحث عن الحق صارم ترك لنا بمجموع تاريخه وثروة فكره وثمين مؤلفاته شهادة بليغة كانت لأجيال المسلمين منذ تسعة قرون معينا لا ينضب من الفهم والاقتداء والانتقاد والأخذ والرد أيضا. إنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه، الجبل الراسخ الذي لايسع المفكر ولا العالم ولا الفقيه ولا الصوفي ولا السياسي ولا الباحث عن أسرار النفس البشرية ولا المؤرخ للفكر الإسلامي والإنساني أن يمروا به مر الكرام. بعضهم يقرأ نقدا لهذه الفكرة أو تلك النظرة من نظرات الغزالي وفكره فيسد عليه النقد الهدام بأنقاضه منافذ التمييز. إن أخطأ الغزالي في جزئية فالبشر معدن الخطأ. ويكون ماذا إن انتقده فلان أو علان؟ أنت ماذا جنت يداك، ماذا فعلت بحياتك يا من يلهو بقراءة جدل الرجال؟.
أبو حامد بحث واستقصى، ثم اضطر آخر الأمر لرجل يعلمه دينه. فماذا قال أبو حامد، وما يفيدني أنا ما شهد به أبو حامد في قضيتي مع ربي؟.
كتاب "المنقذ من الضلال" كتاب عظيم الفائدة على صغر حجمه. لخص فيه حجة الإسلام مسيرته وحيرته وأخطاءه وسلوكه. قال: ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا) أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. (… ) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في "النظامية" أكبر "جامعة" في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال). قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة".
ومرض الرجل مرضا شديدا، انعكس الصراع النفسي المحتدم في جوفه على جسمه فأرداه، كذلك الهمم العالية تنوء بحملها الأجسام. ويئس الأطباء فلم يبق ملجأ إلا الله الرؤوف الرحيم. وبرأ أبو حامد من أمراض جسمه ومن تردده، فأوصى لعياله، ثم غادر بغداد متخففا يبحث عن رجل من لحم ودم يدله على الله بعد أن أعياه البحث عن الحق في بطون الكتب، وزحمه هم الآخرة وهم الله.
لقي شيخا مربيا فصحبه وشاوره وائتمر بأمره. ويتحدث عن "المتبوع المقدم" (كأنه ينظر إلى قول موسى للخضر عليهما السلام: هل أتبعك) فيقول: فمن كان لله كان الله له. حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذه الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن. فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية. بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية، تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظبا عليه إلى أن ينمحي أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على الذكر من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيآت الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام".
كيف يقبل العقل أن يمنع مؤمن مؤمنا من قراءة القرآن والمواظبة على التلاوة؟ أم كيف نفهم قَبول حجة الإسلام عالم بغداد توجيها من هذا القبيل؟ أم كيف نعقل بادئ الأمر أن يسأل أمثال أبي حامد هذه المسألة: هل أواظب على التلاوة؟.
إن إسلاس القياد لولي مرشد يدلك على الطريق شرط في السلوك. وما كان لولي أن يأمر إلا بحق. وما منعه من المواظبة على التلاوة إلا بغية أن يهيئه بتصفية القلب بالذكر، حين يعم قلبه الإيمان ويعقل قلبه القرآن، لمرحلة تكون فيها المواظبة على التلاوة عبادة كاملة. وهاك الدليل. روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن". ثم إن الذكر بالاسم المفرد أنكره ابن تيمية رحمه الله وأجمع الصوفية إجماعا على أن الذكر به من أعظم الذكر. فلا جدال.
ثم إن العبرة عندنا هنا في انصياع عالم فقيه من أعلام الملة لشيخ "متبوع مقدم"، يطيعه فيما يأمر بلا نقاش. السؤال الدائم: لماذا يضطر الفقهاء الصادقون لصحبة المشايخ؟ والجواب الدائم أنها الولاية التي لا تكسب بالدراسة والاطلاع، بل بنور يقذفه الله جل وعلا في قلوب أصفيائه، فيأتي من شاء الله له خيرا يقتبس من ذلك النور. والنفوس الصغيرة لا تقبل أن تعترف بمزية عليها لأحد، إنما يعترف بفضل أولي الفضل من كان أهلا لفضل الله الذي يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
ويمضي أبو حامد يطبق الإرشادات إلى أن فتح الله له كما يفتح الفتاح العليم لأحبابه. كتب رحمه الله في "المنقذ من الضلال": "ثم دخلت الشام وأقمت بها قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب بذكر الله تعالى كما حصلته من علم الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي (...)، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره ينتفع به".
ويؤدي الرجل بأمانة وصدق وبساطة شهادته أمام الله تعالى ليقرأها من بعده الصادقون. ما كان يبالي أن يعترض معترض أو يسخر ساخر. ما حاول أن يعلل ويفلسف ويعقلن تنازلا عند من يشققون الكلام. بل أفضى بذات قلبه إلينا في كلمات مباشرة ساذجة سذاجة الحق وبساطته. فمن أزرى بعقل كبير مثل عقل أبي حامد، أو اتهم سكرات القلوب المعروفة عند المجانين والمجاذيب، فما عليه إلا أن يتخطى شهادة الرجل ويطوي هذا الكتاب ويرتبه في الرف. وقد انتهى الأمر وما يغني الحديث. والسلام.
يؤدي الغزالي شهادة مجملة لأن ما انكشف له لا يمكن استقصاؤه وإحصاؤه" فيستمر قائلا: إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به".
نعم يا ولي الله، ما وراء نور النبوة نور يستضاء به، ولا فوق النموذج الأول نموذج يعلو. رحم الله زمر الصالحين من الصوفية والمحدثين والعلماء العاملين. أووا إلى الزوايا والمدارس والعزلة والصمت والمجاهدة والسهر والعبادة والذكر. وبقي عليهم أمر عظيم لم يتخلوا عنه استغناء عنه، إذ لا يعوضه في مراتب الإحسان شيء. بقي عليهم الجهاد في الأرض ليحكم دين الله الأرض. عاشوا، الأحباء، في عهود كان قدر الله فيها على الأمة أن يحكم النظام العاض والجبري. وفي حاضر الأمة ومستقبلها لن نلتفت إن شاء الله إلى ما تحت الصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا أطراف الإحسان وأقطار المجد الدنيوي والأخروي من كل جانب. كانت فاعليتهم في ميادين الجهاد ضمان بقاء الدين واستمراره حتى اغترف الصوفية من ينبوع كان للصحابة رضي الله عنهم فضل تلقيه وصيانته والذود عنه والجلاد من دونه بالمال والسيف، وفضل نشره وتبليغ دعوته، وفضل قتال الكفر حتى باد الكفر، وفضل نصرة الحق حتى ظهر الحق. أهل الكمال حقا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي الإمام، ثم أهل بدر وبيعة العقبة وبيعة الرضوان وسائر مشاهد الإسلام.
يوتي الله عز وجل فضله من يشاء كما يشاء. وقد آتى سادتنا الصوفية خيرا كثيرا. لكن أساليب العزلة وتربية الصمت والمجاهدة المنفردة في زماننا نكوص وبيت المقدس محتل، والأمة نهب مقسم، وجودها المعنوي مهدد، ورسالتها منكرة في عقر دارها. لسنا ممن يكيل للغزالي اتهامات كما يفعل فلاسفة الجامعات من بني جلدتنا. قضى الله وما شاء فعل، والتكليف علينا وحده هو المعتبر. تكليف الشرع أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونجاهد في الله حق جهاده حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
مطلب شريف ومطمح منيف أن تحدث نفسك بأن تلحق بالصالحين وتكون من أولياء الله. ثم أن تصارع نوازع النفس والهوى ونزغات الشيطان وتتجرد للعمل وتشمر وتهجر كل ما سوى الله عز وجل. تلك طريق سلكها ذوو الهمم الرفيعة من الرجال أمثال أبي حامد، تعطرت بأنفاسهم الأزمان. لم يكن الدين غريبا في أزمنتهم، بل كانوا ساكنين تحت مطارق الأقدار الإلهية التي حكمت بأن يعيش المسلمون في ظل ملك عاض وجبري إلى أن يرفع الله جل جلاله تلك الحوبة التاريخية. الآن عاد الدين غريبا كما بدأ، فطوبى لغرباء أزمنتنا إن شمروا للالتحاق بركب الأخيار على متن الجادة الجهادية التي سلكها الصحابة في غربة الإسلام الأولى، حتى نصروا الدين وأقاموا للإسلام دولة وصرحا شامخا. تلك الجادة أوسع وأبعد منالا وأوفر نورانية لأنها جمعت بين الجهاد لتحقيق مطالب الأمة وبين المجاهدة لتحقيق المطلب الإحساني الفردي.
في ظروف الغزالي وحدوده بالزمان والمكان والمطلب تجرد الغزالي لطلب "علم الآخرة" بعد تحصيل علوم الفقه وبعد جدال الفلاسفة ونيل الأوطار الدنيوية. "وتزيا بزي الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة".
إعراض عن الدنيا وإقبال على الله عز وجل وانقياد لأهل الخير. "وتفكر في العاقبة وما يجدي وما ينفع في الآخرة. فابتدأ بصحبة الفارمدي، وأخذ منه استفتاح الطريقة، وامتثل ما كان يشير به عليه من القيام بوظائف العبادات والإمعان في النوافل واستدامة الأذكار والجد والاجتهاد طلبا للنجاة، إلى أن جاز تلك العقبات".
من عظماء الإسلام كثير لجأوا مثل الغزالي، قبله وبعده، إلى مربين يساعدونهم على جواز العقبات. لا تكاد تحصي الأمثلة للعلماء الذين ارتموا في أحضان العارفين تعج بذكرهم كتب التاريخ وطبقات المذاهب.
من أجلهم سلطان العلماء شيخ الإسلام والمسلمين إمام عصره بلا مدافعة، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الذي كان في عصره ملاذ الأمة وحاميها من الحكام الظلمة. إنه عز الدين بن عبد السلام الصائل بعلمه في المجالس، الصائل بشجاعته في الحق، يهجم بكلمة الزجر والتأنيب على دواوين الحكام. مواقفه تشرف كل منتسب للعلم في كل زمان.
كان رحمه الله أعبد الخلق وأتقاهم. حكى عنه ابن دقيق العيد، أحد الأكابر علما وتقى، أنه: "لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه". وذكر أيضا أنه: "كان يقرأ بين يديه رسالة القشيري فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الشيخ عز الدين: تكلم عن هذا الفصل. فأخذ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث العهد بربه". قال السبكي: "وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك".
قال عز الدين سلطان العلماء: "أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الشرع فقول الأستاذ (القشيري) وأبي حامد (الغزالي) فيه متفق. ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام. بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول. لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته. فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات".
هل كان فطاحلة علمائنا بهاليل مجانين حتى يزحفوا في الحلقة إعجابا بكلام العارفين وهم كانت ترتعد خوفا منهم فرائص الجبارين في الأرض؟ أم أنهم لم يجدوا في كتب الرقائق والوعظ ما يروي الغلة حتى ينقادوا للمشايخ ويتتلمذوا بأدب؟.
هذه نصيحة من أحد كبار فقهائنا عسى أن يقرأها من يوصون بـ"التصوف السني الذي تحتويه بطون الكتب التي تكفي قراءتها والتضلع منها. قال القسطلاني صاحب المؤلفات المشهورة:وإن كان مرادك أن تصير بقراءتها (أي كتب القوم) صوفيا محققا فوالذي فلق الحبة وبرأالنسمة لو قرأت من هذه الكتب عدد رمل عالج في مدة عمر نوح لم تصر صوفيا حتى يلج الجمل في سم الخياط. إنما التصوف الدؤوب في الطاعات، وترك المخالفات، وفطم النفس عن المألوفات، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال المباحات فضلا عن الشبهات، وترك التوسل بالخلق، والاعتماد على الله في كل الحالات".
يفتي القسطلاني بحرمة قراءة الكتب المشتملة على العبارات الغامضة والشطحات. وينصح بعدم تضييع الوقت في طلب علم القوم، لأن العلم بلا عمل بطالة. وكانت سعادته بلقاء الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو ابن أخ الشيخ أبي النجيب السهروردي الأشهر، لبس منه خرقة التصوف.
وكان تقي الدين بن دقيق العيد شيخا إماما زاهدا محدثا حافظا ورعا فقيها بلغ درجة الاجتهاد المطلق. قال السبكي : ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي صلى الله عليه وسلم، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا".هذا الإمام الأوحد في قرنه سلك طريق القوم على يد الشيخ الصالح كمال الدين بن عبد الظاهر الهاشمي. وكانت له كرامات كثيرة.
نختم حديثنا عن الفقهاء الصوفية، وقد اقتصرنا على الأشهرين من الشافعية، بذكر التقي السبكي أحد أعلام الأمة الذي كان يدعى بالشافعي الثاني، وناهيك بالتشبيه.
تصدى التقي السبكي، والد مؤلف الطبقات، لمسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وعارضه في اجتهاداته الشاذة عن الإجماع في موضوع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي قضية الطلاق المعلق وغيرها. كانت اضطرابات ابن تيمية رحمه الله وسجنه وما لحقه ولحق أصحابه من أذى نتيجة لما يسمى "مسائل" ابن تيمية. وهي بضع وستون مسألة في أصول الدين وقضايا الفقه خالف فيها علماء عصره. لم يكن الفارس الحنبلي في زمانه وتفرده بآرائه وحدته المرجع المطلق كما هو الشأن في هذه الأزمان التي فتحت فيها أبواب الخزائن لتنشر كتبه من دون كتب خصومه.
يقول الحافظ الذهبي الناقد اللاذع عن شيخه التقي السبكي في كتابه "المعجم المختصر" كما نقل عنه عبد الوهاب السبكي في الطبقات: "القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء تقي الدين أبو الحسن (...) وكان صادقا ثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم. يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقررها والعربية ويحققها (...) وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق". شهادة إنصاف.
كان "ملحوظ زمانه" هذا ومحققه كلفا بالصالحين ومعاشرتهم، كثير العبادة والذكر، مستجاب الدعوة، ظاهر الكرامات. "وكان كثير التعظيم للصوفية والمحبة لهم. ويقول: طريق الصوفي إذا صحت هي طريق الرشاد التي كان السلف عليها".
يعظمه الذهبي ويقول: "ما صعد هذا المنبر بعد ابن عبد السلام أعظم منه". قال عبد الوهاب السبكي: "وصح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه". رحمهم الله جميعا وإيانا وعفا، إنه العفو الغفور.....) ، كتاب الأحسان الجزء الأول الطبعة الأولى 1998.
نسأل الله أن يرحمنا آمين.
في الخطوة الأولى العملية الرحمة و الحكمة ، و تليها خطوة الربانية.
نسأل الله الرحمة آمين

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
قديم 02-27-2011   #10
عضو جديد
 
الصورة الرمزية عمرالحسني
 

افتراضي 10دراسات في التصوف ، هل كلام القوم مقدس مكانه الرفوف؟.

دراسات في التصوف ، هل كلام القوم مقدس مكانه الرفوف؟


الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم , آله وصحبه، وبعد
تعقيب لموضوع في معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم و على آله وصحبه ، قرأته قبل قليل في أحدى المنتديات العريقة في بث علوم القوم على منهج أصيل أسميه أحب ما أكتب و لاأحب أن يكتبه غيري.
الحقيقة سادتي العمل على نشر علوم القوم بقدر فهمنا الضئيل في ميزان الحق ، لا يعدو أن يكون مجرد تبركا و غاية المنا و المطلب.
لكنني لا أتجرأ على ربي و سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم أن قرأت مقالا و كتابا حول الحقائق الكبرى حول الحبيب صلى الله عليه وسلم.
من التعقيبات المضحكة ما قرأته في تعقيب لأحد الأخوات حول أمر تسميه معضلة : رؤية مولانا صلى الله عليه وسلم في اليقظة؟
قالت أن النبي صلى الله عليه وسلم ثاو في الروضة الشريفة لا يتحرك جثة هامدة ، فكيف يراه هؤلاء المرضى في أماكن متعددة ، فهذا يتطلب وقتا ووسيلة للتنقل ؟.ثم قالت لم لم يكن الحبيب صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في أوقات حالكة في زمن الأمة كصفين وموقعة الجمل و سقوط بغذاد ايام المغول ؟.اترككم مع التعقيب لأعلق عليه بعد.يقول الأخ الكريم في المنتدى المذكور :
-بسم الله الرحمن الرحيم..
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيدنا محمد -عبد الله ورسوله ..الذي ارسل رحمة للعالمين..وعلى من تبعه باحسان الى يوم الدين.وبعد.
اني استغرب الجرئة على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم..بالحديث عن تجلي الذات والصفات والاسماء وانوار الذات الالهية والصفات المحمدية والاكوان والرابط بينهما بهذا الكلام المرسل..وان وجود هذا الكلام في بطون بعض كتب القوم ..لا يبرر ابدا نشرها عل صفحات الانترنت..فمن كان مع الله تعالى عندما خلق الله تعالى الاكوان..وعندما خلق الله تعالى سيدنا ادم عليه السلام.. واذا كان الله تعالى يقول في القرءان الكريم: (ما أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق انفسهم..وما كنت متخذ المضلين عضدا..) فكيف نكرر تفاصيل قصة الخلق والتجلي والتحلي والذات والصفات.. بهذه البساطة ..واذا كان من يدخل الخلوة من المريدين قد يفهم بعض هذا الكلام الفهم الصحيح..فماذا يفهم القارىء.. منه ..
انني دعوت واجدد الدعوة الى اتقاء الله تعالى بالتصوف والاسلام..والى التقيد بالشريعة الغراء..وترك التجليات والاذواق والالهامات لاصحابها- لانها على افتراض صحتها منهم..فانها تفقد معناها بالحديث عنها..لانها لا يعبر عنها بمثل هذه الالفاظ المرسلة والملغومة والحمالة للمعاني المختلفة..واستغرب ممن يعرض عن ايات الله المحكمة ويستعذب التشبث للخوض بالايات المتشابهة..ويعرض عن كلام القوم ونصائحهم للتقيد بعقيدة اهل السنة والجماعة وبالشريعة ثم يسترسل في الحديث عن تجلي الذات والصفات....وينسى قول الله تعالى (لا تدركه الابصار ) (ولن تراني.). و(ليس كمثله شيء)( وهو شديد المحال.).وقول الفوم( كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك ..والعجز عن درك الادراتك ادراك والفكر في كنه الله اشراك.)..اننا نؤمن بالله تعالى الواحد الاحد الفرد الصمد .. حقيقة ولكن بلا كيف ولا اين ولا مكان ولازمان ..فالله تعالى ليس عرض ولا جوهر ولا هو روح ولا نار ولا هواء ولا وهم ولافكر ولا نور الشمس ولا نور الخيال فكلها مخلوقات لله تعالى ..وسينا محمد هو عبد الله وصفيه ورسوله و خليله..صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا..
والرجوع الى تفاصيل العقيدة الطحاوية - والاشاعرة الاكارم بين فينة واخرى هو مفيد لعدم الشطط والزيغ والضلال..والعياذ بالله تعالى ..
.والله اعلم والحمد لله رب العالمين -
سيدي الكريم عقيدتي في هذا كله على منهج أهل السنة و الجماعة و أنا أتقيد بها بتفاصيلها و جزئياتها.
الأمر الثاني : أن كانت علوم القوم مكانها الرفوف و الأوراق الصفراء ، كتبها أهل الله كمدونات لتجاربهم الروحية ، فلم كتبت أن كان مكانها فقط الصدر، لم كتبت؟.
أن كانت علوم القوم مجرد أذواق و ألهامات و كشف فأنك تفهم التصوف فهما أخرقا ، وكم من موضوع كتبنا وهو موجود في المنتدى حال منتادانا نحن ، نحذر من أعتبار التصوف مجرد خرق للعادة.
بل و بينا بفهمنا الضئيل أنه كلام حق نبوي استنبطه أهل الله من صحبتهم للحبيب صلى الله عليه وسلم ، بل بتوجيه منه ومدد.
فكيف أكتب؟.
يسود في بعض المنتديات التي تزعم التربية و غيرها من الأدعاءات أنها تدافع عن التصوف و تعمل من أجل بث علوم القوم في الأمة علها تجدد ذالك النسبة لمرب ولي سائر على الخطى النبي صلى الله عليه وسلم.
سادتي الكرام ، احيانا أود أن أوقف الكتابة لا لشيء الا لأتجنب المسئولية فيما أكتب ، و لاأحب أن أكتب أحيانا الا لهذا الأمر المحزن المقعد المليم.
فأن كانت حقائق أهل الله في الرفوف نخشى منها فأولى أن تحرق.
لم أكن مع ربي عند خلقه لآدم عليه السلام ، كما أنني لم مولانا عبد الكريم الجيلي يتحدث عن الأمر في كتابه الأنسان الكامل. ولا مع سيبويه حينما حدث في النحو و لا مع الفراهيدي حينما كتب في العروض.
لم أكن مع أحد ؟.
الأولى أن يتقاعد الكل عن البث في علوم القوم.
بل الأحرى أن نحرق أول كتاب كتاب دون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فنريح و نستريح.
وددت لو يعفيني الأخوة من الكتابة فقد سأمت.
أن كان مولانا محمد عبد الكريم الجيلي بين و تحدث عن تجلي الأسماء و الصفات و الأفعال في بني آدم ، ومان يشر الى تجلي حاصل في الفرع ، فكيف كان التجلي في الذات النبوية ؟.
تقرأ في كتاب المواقف الروحية عن توضيح ممل أحيانا في سائر كتاب عن هذا الأمر، فلم ينبه الرجل عن فهوم هي في غاية النورانية وعند البعض غاية القدسية ، و ينشرها و يبثها بين الناس.
غاية الأتباع في صحبة المتبوع المقدم تعظيمه و تبجيله ، والدعوة لبركته و مائدته ، وتتحول فيما بعد الى مراسيم و أعراف دونها لا يسلم القوم في أحترامهم و تقديرهم.
وما يصدر عن النبع هو مقدس قول و فعل و نص.
يحيط التابع بالمتبوع ،ويصاحبه ويخالله فيتلقى ببركة الخذمة و الصحبة فهوما و أشراقات .
فهل هي مقدسة أو يمكن أن نراها بأدوات معينة.؟.
لا يستسيغ من أحترف حرفة القبورية أن يسمع وليا آخر بعد متبوعه و مقدمه.
كيف وقد كان في صحبة من سلم وربى و أخذ و لبى ونادى و ربى ثم رحل.؟
لايتقبل تجديدا في الجوهر و الشكل فكيف بدقائق الفهوم.
من هنا تنسج الخيالات في كرامات الشيوخ ، وفي فكرهم المستنير المنور بنور الله ، فكل ما يحكيه التابع عن ثراث شيخه صدق لا كذب فيه.؟
يعلم الولي المربي المريد سعة الصدر و سلامة القلب و نور العلم و الفكر الذي يولده الذكر . لكن سرعان ما تضمحل هذه التعاليم ، ودراسة تاريخ الطرق كفيل لتوضيح هذه الحقيقة.
هل علوم القوم مقدسة.؟
نرجع الى كتاب الأحسان نبحث عن الأجابة .....حصول علوم المكاشفة للمتقين. روى البزار عن أنس والطبراني عن الحارث بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل حارثة: "كيف أصبحت يا حارثة؟" قال: أصبحت مؤمنا حقا! قال صلى الله عليه وسلم: "انظُرْ إلى ما تقول! فإن لكل حق حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزَفَتْ نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرُها ومدَرها. وسهرت ليلي وأظْمَأْتُ نهاري. وكأني أرى عرش ربي بارزا. وكأنِّي أرى أهل الجنة وهم يتزاورون فيها. وأهل النار يتضاغَوْن فيها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عبد نوَّر الله قلبَه! قد عرفت يا حارثة فالزم!".
ما عبر عنه الصحابي بقوله: "كأني أرى" جاء من بعده رجال صرّحوا وقالوا رأينا ونرى. ليس من الغريب أن يكرم الله بعض أحبابه بمطالعة ما يغيب عن الخلق عادة، لكن من الفتنة لبعض الناس أن يسمعوا ما لا يفهمون. الأصل أن يكشف لقلب الذاكر الصادق ما هنالك لقوله صلى الله عليه وسلم لحنظلة بن الربيع وأبي بكر الصديق: "لو كانت قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق". الحديث رواه مسلم والترمذي.
"إذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت بخلاف القلب الخراب المظلم. قال حذيفة بن اليمان: "إن في قلب المومن سراجا يُزْهر(...). وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور به، وعرف حقائقها من بواطلها، وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف. وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم.
الأصل انكشاف الحقائق لقلب المومن الذاكر، لكن الفتنة في البَوْحِ بعلوم القلب، لأن الناس تتفاوت استعدادا للنور، وتتفاوت قوةَ إيمان. فينطق هذا مخبراً عن مبلَغ إدراكه الكشفي إلى الخَلِيِّ المظلم القلب الخراب فيكذِّب ويجادل. ويكتُب ذاك في مرحلة من مراحل سلوكه جازما في الحكم على مسألة، ثم يناقِضُ حكمَهُ الأول بعد أن تصفو مرآتُه ويقوى سراجُه تماما كما يحدث لعالم الظاهر يتغير اجتهاده حسب جمعه للأدلة وقدرته على الاستنباط.
والناظر في كتب السادة الصوفية أصحاب القلوب يرى خبر البوّاحين، وخبر الكاتمين لعلوم الولاية، لكنه لا يجد تناقضا عند الكُمَّل المتمكنين فيما يُبدون من علوم، حاشا الخطأ المحتمل الذي يطرأ على عين القلب كما يطرأ على عين العقل، إما في أصل الإدراك أو في التأويل.
كان الصحابة رضي الله عنهم أقوى وأرسخَ في العلم، قلَّما تجد عندهم عبارة ينبو عنها فهمُ عامة الناس. قال الإمام علي كرم الله وجهه: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكْذَب الله ورسولُه!". أخرجه البخاري. عليٌّ الإمام الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أخي في الدنيا والآخرة". وقال له: "أنت مني بمنزلة هرون من موسى". كما رواه البخاري ومسلم. عليٌّ الإمام الذي تنتهي إليه وإلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما معظم أسانيد التربية الصوفية كان بحراً زخّارا بعلوم الولاية لكنه لا يبوح، ويوصي بالكتمان.
ويتناقل أهل العلم والصلاح الوصيّة بكتم علوم القلب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "الحال تعتري كثيرا من أهل المحبة والإرادة في جانب الحق وفي غير جانبه، وإن كان فيها نقص وخطأ فإنه يغيب بمحبوبه عن حبه وعن نفسه(...). وقد يقول في هذا الحال: أنا الحق! أو سبحاني! أو ما في الجبة إلا الله! وهو سكران(...)، وذلك السكر يطوَى ولا يُرْوَى.
وقال شيخ الإسلام ابن القيم: "ومِن الغيرةِ الغيرةُ على دقيق العلم وما لا يدركه فهم السامع أن يذكر لَه. ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله! وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدِّثٍ قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة!(...). وسئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى: "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن"، فقال للسائل: وما يُؤَمِّنُكَ أنّي إن أخبرتك بتفسيرها كفرت! فإنك تكذِّبُ بها، وتكذيبك بها كفرك بها".
ولمخافة الفتنة حكم السيوطي مع كثير من العلماء بِحِرْمَة النظر في بعض كتب القوم لمن ليس مصقول القلب. قال بعد أن التمس العذر لما في بعض الكتب: "فلتُ ذلك صونا لك عن الوقيعة في أحد، وحفظاً للِّسان، لا رضىً بالنظر في الكتب المنسوبة إليه، ولا إذنا في قراءتها لكل أحد. ومعاذ الله أن آذن لأحد في ذلك. ثم لا آذن".
نترك إلى فصل مقبل إن شاء الله علوم الحال التي يسكَرُ بها السالك حتى ينطق بما قاله ابن تيمية، ونأخذ مثالا من علوم المكاشفة لنفهم كيف تنشأ الفتنة ومِمَّ تنشأ.
قال الإمام الغزالي: "القلب قد يُتَصَور أن يحصل فيه حقيقة العالم وصورته، تارة من الحواس، وتارة من اللوح المحفوظ(...). فإذا للقلب بابان: باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم المُلك والشهادة".
ويجيء ابن تيمية فينكر إنكارا شديدا ببيانه الصارم وحكمه القاطع أن اللوح المحفوظ لا يمكن أن يقرأ فيه قارئ. قال رحمه الله : "يقول بعض الشيوخ الذين يتكلمون باللوح المحفوظ على طريقة هؤلاء، إما عن معرفة بأن هذا قولهم، وإما عن متابعة منهم لمن قال هذا من شيوخهم الذين أخذوا ذلك عن الفلاسفة، كما يوجد في كلام ابن عربي وابن سبعين والشاذلي وغيرهم. يقولون إن العارف قد يطلع على اللوح المحفوظ، وأنه يعلم أسماء مريديه من اللوح المحفوظ، ونحو هذه الدعاوي التي مضمونها أنهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ. وهذا باطل مخالف لدين المسلمين وغيرِهم من أتباع الرسل".
غفر الله لنا ولابن تيمية ولمن يأخذ كلام أحد ما دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مأخَذَ المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لو قال: هذا لا أعرفه لكان أقرب إلى الحكمة بَدَل أن يعمم زاعما أن القول بعلم ما في اللوح المحفوظ ليس من دين المسلمين. يا لطيف!.
كان الرجل صادقا، فرقاه الله عز وجل وفتح بصيرته كما فتح للعارفين حتى رأى هو نفسه اللوح المحفوظ في فترة لاحقة من حياته، وحتى قرأ فيه. قال تلميذه ابن القيم: "ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية أمورا عجيبة. وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم. ووقائع فراسته تستدعي سِفْرا ضَخما(...). أخبر الناس والأمراءَ سنة اثنتين وسبعمائة لمّا تحرَّك التتار وقصدوا الشام أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله! فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا! وسمعته يَقول ذلك. قال: فلما أكثروا عليَّ قلت: لا تُكثروا! كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطعمتُ بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو".
قال ابن القيم: "وكانت الفراسة الجزئية في خلال هتين الواقعتين مثل المطر".
استَغْفِرِ الله يا صاح من متابعتك للعلماء في أخطائهم، يرجعون عنها وتبقى أنت في الظلام. استغفِرْه من متابعتك ابن تيمية وأمثاله في تكفير المسلمين والجزم بأن "هذا ليس من دين المسلمين"، يتوبون هم ويشفع لهم صدقُهم من حيث لا يشفع لك جهلُك وتقليدُك. هو ذاك شيخ الإسلام في خيمته، في عادته، في بشريته، في نسبيته لا يخرجه عنها فراسته وعلمه، يطعم الأمراء والعساكر طعام الفرح بما قرأه في اللوح المحفوظ، تلك القراءة التي كان ينفيها وينسب القائلين بها للزندقة ويرميهم خارج الملة. وأنت، أنت المقلد للرجال بعقل مرموس وقلب مطموس ما حظك من الله! قل لي! أنت مع الدليل والنص لا مع الله! وعلوم الأولياء لا دليل عليها مما تصل إليه يدك القاصرة وهمتك الفاترة. "القوم يشيرون إلى الكشف ومشاهدة الحقيقة. وهذا لا يمكن طلبه بالدليل أصلا. ولا يقال: ما الدليل على حصول هذا؟ وإنما يحصل بالسلوك في منازل السير وقطعها منزلة منزلة حتى يصل إلى المطلوب. فالمطلوب إليه بالسير لا بالاستدلال".
قال الإمام أحمد الرفاعي: "الكشف قوة جاذبة بخاصيتها نورَ عين البصيرة إلى فضاء الغيب، فيتصل نورُها به اتّصالَ الشعاع بالزجاجة الصافية حال مقابلتها إلى فيضه. ثم ينصرف نورُه منعكسا بضوئه على صفاء القلب. ثم يترقى ساطعا إلى عالم العقل، فيتصل به اتصالا معنويا له أثر في استفاضة نور العقل على ساحة القلب فيشرف القلب على إنسان عين السِّرِّ، فيرى ما خفيَ عن الأبصار موضعُه، ودق عن الأفهام تصوُّرُه، واستتر عن الأغيار مرآه.
"أي سادة! إذا صلح القلب صار مَهْبِطَ الوحيِ والأسرار والأنوار والملائكة. وإذا فسد صار مهبط الظُّلَمِ والشياطين. إذا صلح القلب أخبر صاحبه بما وراءه وأمامه، ونبهه على أمور لم يكن ليعلمها بشيء دونه".
وقال الإمام عبد القادر قدس الله سره: "إذا جاء الكشف من الله عز وجل، وثَبَتَّ بين يديه، صار أمرك ضياءً. إذا جاء نور قمر المعرفة كشف ظلمة ليلة القدر. فإذا طلعت شمس العلم بالله عز وجل زالت الأقذار والظلمة في الجملة. يتبين لك ما حولك وما هو بعيد عنك. يتبين لك ويتضح ما كان مشكلا عليك من قبل. يميَّزُ لك بين الخبيث والطيب، بين ما لغيرك وما لك. تفرق بين مراد الخلق ومراد الحق عز وجل.
"ترى باب الخلق وباب الحق عز وجل. فترى هنالك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فياكل القلب من طعام المشاهدة، ويشرب من شراب الأنس، ويُخْلَعُ عليه خِلعُ القبول. ثم يرد إلى الخلق لمصالحهم، وردِّهم من ضلالهم، وهجرِهم لربهم عز وجل، وعصيانهم له. يُرَدُّ مع الحصن الحصين، والحفظ الدائم، والسلامة الدائمة.
"يا من لا يعقل هذا أو لا يومن بهذا! أنت قِشر بلا لُب! خشبة مسندة! خشبة نخرة! تصلح للنار إلا أن تتوب وتومن وتصدق .
قلت: إنَّ كشف الحجاب عن أسرار الله وكونه النوراني من ملائكة وأرواح وجنة ونار وأحوال الآخرة وعوالم السعادة ومشاهد السعداء حرام على القلوب المظلمة، قلوب أصحاب الرياضة من المشركين الذين يفتح عليهم من عالم الظلمة. أما عند كشف الغطاء في لحظة الموت، فالمائت يرى ما هنالك من مصير كما قال الله عز وجل:لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَديد) سورة ق آ22
قال الشيخ عبد القادر: "ما من مؤمن إلا عند الموت يُكشف عن بصره، فيرى منزله في الجنة، يُشير إليه الحور العين والوِلدان، ويصل إليه من طيب الجنة فيطيب له الموتُ والسكرات. يفعل الحق عز وجل بهم كما فعل بآسية عليها السلام. ومنهم من يعلم بذلك قبل الموت وهم المقربون المفردون المرادون.
"ويلك يا معترضا على الحق عز وجل! لا تهذِ هذيانا فارغا! القضاء لا يرُّده راد، ولا يصدُّه صادٌّ. سلِّم وقد استرحت!(...). إذا تحقق لك الإيمان قدِّمت إلى باب الولاية، فحينئذٍ تصير من عباد الله المحققين لعبوديته. علامة الولي أن يكون موافقا لربه عز وجل في جميع أحواله. يصير كله موافقة من غير "لِمَ" و"كيف" مع أداء الأوامر والانتهاء عن المناهي". ) كتاب الأحسان.
نسال الله أن ينفعنا بما قرأنا آمين.

 

عمرالحسني غير متواجد حالياً

 

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:38 AM.

Designed by al-samer