الأسباب كثيرة لكنها كلها من أجل الحفاظ على ما أنجز .
- إذا كانت جدران الحفرة في مرحلة من مراحلها هشّة تنهار باستمرار فإن تبطينها يصبح ضرورة مُلِحّة .
- عند اختراق خزّانات من المياه الجوفية فإن اختلاط الماء بسائل وحل التنقيب أثناء دورته الدائمة يتسبب في تغيير جميع خصائصه ، ولا بد إذن من عزله .
- إذا اصطدمنا أثناء الحفر بطبقات ذات خصائص متناقضة لا يُجْزئ فيها نوع واحد من السائل الوحلي ، بل إنّ ما يصلح لهذه يضرّ بتلك ، فإن الحلّ هو عزل الطبقة العليا بتبطينها ، ثم مواصلة العمل .
بعده ، يتواصل الحفر بأداة أقلّ من سابقتها ، لأن مقاس الحفرة (قطرها) قد انخفض ، إلى أعماق تظهر عندها ضرورة التبطين من جديد ، فتعاد العملية باستعمال خط أنابيب مناسب ، وبنفس تقنيات التثبيت . وهكذا مرّتين أو ثلاث ـ بحسب طبيعة وتكوين باطن الحقل المعروف سلفا ـ إلى أن يُدْرك مستوى سطح الخزّان ، ويراد به ـ اصطلاحا ـ بداية الطبقة الرسوبية الحاملة للبترول أو الغاز .عند هذا الحد ينتهي الحفر الرحّوي Rotary drilling , Forage rotary ، المعتمد على تفتيت الصخور ، ويحلّ محلّه حفر بأدوات خاصة تخترق الطبقة " بابتلاع " عينات كاملة من مادة الخزّان ، لإجراء الدراسات اللاّزمة على مكوّناتها ، ونفاذيتها ، ومساميتها ، ونسب السوائل الموجودة فيها .
إنها مرحلة مشتركة بين خبراء التنقيب وخبراء الإنتاج ، لأن الطبقة الخازنة بما تحتويه مِلْك للشركة المنتجة ، وكل مساس بها يتطلب تدخلها في كل تفاصيله .
عند نهاية الحفر تجرى عمليات قياسات واختبارات لضبط حدود الطبقات ، وتحديد طاقة البئر الإنتاجية ، ونسب السوائل ( ماء ، بترول ، غاز ) في المنتوج الخام .
بعد ذلك يجهّز البئر لجني ثمرته .
هناك تصميمات عديدة لتجهيز آبار البترول حسب قوة إنتاجها ، وضغطها ، وخصائص صخورها الخازنة . فإذا كانت هذه الأخيرة من النوع الهش ، السهل الإنهيار ، خاصة عند اندفاع السوائل المضغوطة ، يوضع لها تبطينا خاصا Liner ، ثم يثقب بدقّة في المواضع المنتجة فقط ، بواسطة " خراطيش " تُفَجّر بالقاع . أما إذا كان الخزّان كله عالي الإنتاج ، ويتعذّر إهمال أي جزء منه ، فإنه يُبَطَّن بأنابيب مثقوبة سلفا عند تصنيعها ، تحتجز المواد الصلبة وراءها ، وتسمح للسوائل باجتيازها . وقد تُتْرك الطبقة المنتجة بدون تبطين أصلا في حالة صلابة بنيتها بما فيه الكفاية لتنتج من غير التسبب في تعقيدات .
ثم يوصل القاع بالسطح بخطّ أنابيب Tubing من غير حاجة لتثبيته بالإسمنت ليتسنّى تبديله إذا اقتضت الظروف . يسلك البترول المضغوط طريقه إلى الخارج داخل أنابيب الإنتاج ، ثم يصرف بواسطة معدّات السطح (حنفيات ، وتفريعات) Christmas tree , Tête de puit ، إلى خط أنابيب أخرى Pipe line لنقله إلى مراكز ضخمة لتنقيته من الأجسام الصلبة ، وفصل ما علق به من مياه وغازات Séparation .
إن فلسفة وسياسة الإنتاج في ميدان المحروقات هي نفسها في غيره من مختلف الإستثمارات ، وهي تحقيق الأهداف المسطّرة بأقلّ كلفة ، وعلى أطول مدى ممكن بمستويات عطاء مستقرّة نسبيا . لهذا فإن إنهاء حفر بئر بترولية هو في الحقيقة مرادف لبداية منظومة واسعة متكاملة من برامج صيانته ، والمحافظة على معدّلات مُرْضِية في مساهمته في الإنتاج العام .
- هناك المتابعة اليومية الدورية لكل آبار الحقل Surveillance بالتنقل إلى عين المكان أو الإشراف عن بعد Télémetrie ، وتسجيل ضغطها ، ودرجة حرارة خامها ، وقوة إنتاجها ، وأخذ عيّنات لقياس درجة ملوحتها ، وطبيعة الماء الممزوج بها ، والتأكد من سلامة التجهيزات في محيط البئر .
- الإشراف بانتظام على تطبيق برنامج تنظيف يومي أو أسبوعي Wire line بداخل بعض الآبار لإزالة ترسبات مواد البترول الثقيلة على طول جدران أنابيب الإنتاج كـ " البرافين " و " الأسفالت " وطبقات الملح المتصلّب .
- ضخ آلي مستمر لكميات من الماء المعالج كيميائيا داخل بعض الآبار لتذويب الأملاح المرافقة للمياه الجوفية Dessalage ، ومنعها من التكوّن حتى لا تحدث انسدادا في الأنابيب ، وتوقف الإنتاج .
- إستعمال تقنيات أضخم فأضخم حسب التعقيدات الحاصلة مع مرور الزمن ، مثل تنقية الآبار من ترسبات فتات الصخور المخلوط بالنفط الذي يرتفع منسوبه حتى يشكّل عقبة حقيقية في وجه تدفق الإنتاج ، وذلك بإنزال أدوات صلبة وتدويرها ، بهيئة تشبه إلى حدّ بعيد طريقة الحفر التي تكلّمنا عنها في فصل سابق .
وقد يكون الهدف إزالة أداة ، أو جزء طويل مكوّن من أنابيب سقطت بقاع البئر أثناء العمل بالخطإ أو بفعل خلل في الآليات Fishing , Instrumentation ، وهو مجال واسع ، تستعمل فيه أنواع كثيرة من الأدوات ، ويلعب فيه الخيال والذكاء في تصور المشكلة التصور الصحيح دورا كبيرا .
- وقد تكون حقيقة المشكلة كامنة في تلف كبير يصيب تبطينات البئر الأساسية جرّاء الحركة الأرضية ، أو تأكسد المعدن بفعل المياه المتسرّبة إليه خلال شقوق في الإسمنت ، أو بقاء أجزاء منه غير مغلفة عند وضعه قبل سنوات . إنها عملية إصلاح جذرية Workover ، لا تقل أهمية وتعقيدا عن عملية التنقيب نفسه .
العمليات الخاصة Opérations spéciales
- ضخ كميات من حامض خفيف التركيز لإزالة الطبقات الطباشيرية المتسببة في اسداد المسام بقاع البئر Acidification ، وحثه على زيادة الإنتاج Stimulation .
- غسل جدران الخزّان Lavage بمادة من مشتقّات البترول Réformat ، من شأنها تذويب المواد الثقيلة المترسبة .
- إحداث صدع Fracturation بالخزان بضخ سائل لزج كثيف ، ممزوج بأجسام صلبة تطيل من وقت انفتاح الصدع ، لتنشيط الطبقة ، واستعادة ما فُقِدَ من إنتاج البئر .
الإنتاج الثانوي Secondery recovery , Récuperation assistée
عند انخفاض ضغط الخزّان بعد مدّة من استغلاله ، وتعذّر استخراج النفط بقوة الدفع الطبيعية وحدها ، وهذا يعني انخفاض مردودية الحقل ، تتدخّل التكنولوجيا لإصلاح ما أفسده الزمن ، ولتعويض دورها أو بعض من دورها لاستدراك ما فات .
- يعاد تجهيز الآبار التي فقدت من طاقتها الإنتاجية وتُزوَّد بمعدّات يمكن بواسطتها ضخ الغاز عند مستوى مدروس من أعماقها بقصد مزجه بالنفط العاجز تحت تأثير وزنه عن الصعود إلى الخارج Gas lift ، وبالتالي التقليل من كثافته النوعية ومساعدته على الإنطلاق إلى الأعلى .
- إنشاء شبكة من آبار حقن الحقل بالغاز والماء في عملية عكسية تُرْسَل أثناءها المواد المذكورة بدون انقطاع عبر تلك الآبار ، فتتسرّب في كل الإتجاهات ، وتعيد ملئ المسامات ، وتكوّن جبهة متحركة تسوق بقوة دفعها الجديدة نسبا ممّا تخلّف من البترول عندما تدنّى الضغط الطبيعي . إنها عملية " كنس" أثبتت نجاعتها في تمديد عمر الحقل لسنوات عديدة برغم السلبيات والمشاكل التي تصاحبها . إن الهاجس الأول للخبراء والمستثمرين والإستراتيجيين هو البحث عن السبل الأنجع لإستغلال أكبر لأن البترول طاقة غير متجددة ، وأن ما يستعصي عن الإنتاج منه بغير الوسائل المتطورة يكاد لا يحصى .
- الإختبارات الدورية للآبار بمساهمة العديد من المصالح المختصة لإعداد برامج حملات من الإصلاحات الخاصة ، أو تجربة تقنيات ونظريات مستحدثة ، وهذا في حد ذاته ذو صلة وطيدة بالتكوين المستمر للمستخدمين ، وبمواكبة الجديد في عالم المحروقات مثل تنظيم المؤتمرات ، وحضورها ، والإتصال الدائم بأهل الإختصاص والتجربة .
يوجد بالعالم ما يزيد على 30000 مكمن للبترول والغاز من بينها 500 تصنف من كبريات المكامن وتحتوي على أكثر من 70 مليون طن . ومن بين هذه الكبيرة هناك ما يزيد على 50 مكمن عملاق بالشرق الأوسط ، وبها أكثر من 700 مليون طن من الخام ، وهو ما يعادل 40 % من احتياطات العالم .
يحتاج كل فرد في العالم إلى كمية من البترول يوميا ليعيش حياته وفقا للنموذج المرسوم بأنامل الحضارة العصرية ، وكلما كانت الدولة التي ينتمي إليها هذا الفرد متقدمة فإن حصته تزيد على غيره في دول نامية أو متخلّفة ، هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن الإرادة الإلهية المقدسة جعلت أكبر مكامن البترول في غير أراضي بلدان الدول التي تملك مفاتيح الحضارة ، أي التي تستهلك أكبر قسط من المحروقات ، فكان لزاما عليها اقتناؤه من عند من يملكه ، فنشأت عن هذه الحاجة حركة نقل لا عهد للعالم بها قبل هذه الحقبة ، وازدهرت من أجلها ميادين من متعلقاتها كصناعة السفن الخاصة ، وتأجيرها ، وتأمينها ، وصيانتها .
عرف نقل المحروقات نموا مطردا في الوسائل والكميات المحمولة ، فبينما لم يكن سنة 1935 سوى 100 مليون طن ، قفز سنة 1960 إلى 500 مليون طن . ومنذ 20 سنة ـ من تاريخنا ـ تشهد محيطات العالم وبحاره أكثر من 8000 سفينة شحن تمخر عبابها لتحمل ما بين 1.5 و 1.9 مليار طن من النفط سنويا .
ويعتبر النقل البحري أحسن بكثير من النقل بواسطة الأنابيب ، ويحبذه المستثمرون والمتعاملون الإقتصاديون لمرونته . فمن الممكن تغيير اتجاه مسار السفن في أي لحظة أثناء سفرها بغير عناء ولا كلفة كبيرة ، ويقال أن حمولة واحدة قد تتغير وجهتها عدة مرات لأنها بيعت أكثر من مرة قبل وصولها إلى منتهاها ، فعوض أن ترسي بدولة في أمريكا الجنوبية ، تجد نفسها بأقصى الشرق متوجهة إلى اليابان مثلا . ولم يعد حجم الكميات المحمولة يخلق مشكلة ، فقد ظهرت حاملات البترول العملاقة التي تستطيع حمل 200000 إلى 550000 طن من كل أصناف البترول .
وتتبع هذه السفن شبكة معروفة من الطرقات عبر القارات من بينها الطرق المارة عبر رأس الرجاء الصالح ، أوقناة السويس إذا لم تكن السفينة مفرطة في الكبر ، وهي الطرق التي تصل الشرق الأوسط بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وهناك أيضا طريق مضيق " مالاكا " بين جزيرة سوماطرا وماليزيا للتوجه إلى اليابان ، والصين ، وكوريا الجنوبية .
وتختلف مدة رحلة حاملة البترول باختلاف المسافات بين الدولة المصدرة للنفط وبين الدولة المستوردة إياه ، وعلى سبيل المثال فإن تلك الرحلة بين الشرق الأوسط وأوروبا تستغرق ما بين 15 و 30 يوما .
ينقل البترول كذلك بواسطة خطوط طويلة من الأنابيب Pipelines ، تقطع أراضي شاسعة لتصل المنابع بمصانع التكرير ، أو الموانئ التي منها يشحن في السفن للتصدير .
يتم ضخ البترول بداية من مراكز التجميع بالحقول ، ثم يجدد على طول مسافة الخط بواسطة محطات لضمان وصول كميات ثابتة وبالضغط المطلوب . وتظهر أهمية نقل المحروقات بالأنابيب عند الدول التي لا تملك منافذ إلى التجمعات المائية الكبرى ، أو عند تنفيذ عقود تزويد الدول المتجاورة ، كما هو الحال بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية . ويعد أنبوب " دروشبا " المنطلق من منطقة " سامارا " من روسيا إلى مصفاة " لونا " بألمانيا من الأمثلة العجيبة لهذا الصنف من النقل ، إذ يبلغ طوله 3640 كلم ، وله 34 محطة إعادة ضغط .
لكن هذه الوسيلة لا تخلو من سلبيات ، منها :
- استحالة تغييرها بسهولة إذا اقتضى الأمر ، لِعِظَم الإستثمار فيها ، وضخامة مشروع هذا التغيير .
- ضرورة مرور خط الأنابيب بعدد من الدول ، يرتفع بارتفاع طوله ، وما ينجر عن ذلك من مشكلات لها صلة بسياسات أنظمة الحكم ، والتشريعات المختلفة في كل بلد ، كنظام التسعيرات والضرائب ، والإضطرابات السياسية ، وإمكانية العمليات التخريبية الإرهابية أو عند نشوب الحروب .
انتهى بحمد الله والصلاة على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
-----------------------------
المصدر : موقع نفحات 7